إن الآية تبتدئ بعرض القضية والموضوع: (ادع إلى سبيل ربّك ... ) . هذه هي القضية التي تتحدث عنها هذه الآية الكريمة متناسقة مع جميع الآيات الأُخرى في القرآن الكريم، الآيات التي تتحدث عن هذه القضية وأساليبها ووسائلها. إنها قضيّة الدعوة والإيمان والتوحيد، إلى الله ورسوله، إلى دين الله الحق ـ الإسلام ـ، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ومن عبادة العباد والأوثان والأهواء إلى عبادة الله الذي لا إله إلا هو. إن هذه القضية تمثل القضية الكبرى في الكون والحياة، القضيّة التي من أجلها بعث الله الرسل والأنبياء الذين ختموا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وبالقرآن الكريم الذي جاء مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه. إنها تمثل الهدف الرّبانيّ الثابت الأول في حياة المسلم وفي مسيرة الدعوة الإسلامية. ومن أجل هذه القضية تقوم الدعوة الإسلامية في الأرض لإنقاذ الناس من عذاب الدار الآخرة لمن يموت على الشرك أو الكفر، ولإنقاذ الناس من فتنة الدنيا.
القضية التي تدور حولها الآية والآيات التي قبلها وبعدها هي قضية دعوة الناس إلى الإيمان والتوحيد. ومن أجل هذا الهدف العظيم تتحدّد علاقة المسلم بسائر الناس على ضوء قواعد ربّانية يفصّلها منهاج الله.
إن التوجيه في هذه الآية هو للداعية العامل، الداعية المجاهد الذي عرف دربه وهدفه، وعرف عهده مع الله ليكون الحافز الدائم ليمضي على الدرب يبلّغ رسالة الله.
فمن أجل ذلك جاء التوجيه الرباني ( .. بالحكمة والموعظة الحسنة .. ) . هذه هي القاعدة الأولى الهامة، أن تكون الدعوة بالحكمة أولاً، باختيار الأسلوب الأمثل المليء بالحكمة لتبليغ رسالة الله واضحة جليّة دون مواربة ولا تنازلات ولا مساومات. لا يحلّ للداعية المسلم أن يغيّر أو يبدل دين الله، وفي الأساليب التي بيّنها منهاج الله، ثم يقول: إن هذا التغيير أو التنازل هو من باب الحكمة.