إن هذه القواعد الربانيّة يجب التزامها لتكون نهجاً متصلاً واعياً في حياة المؤمن الداعية، سواء أكان يدعو كافراً ومشركاً، أو أحداً من أهل الكتاب، أو رجلاً منتسباً إلى الإسلام فيه انحراف وضلالة في بعض جوانب فكره كما يبدو للناس. لابدّ من الوضوح والجلاء والقول الحاسم والحجة البالغة المقنعة، ولابد للداعية أن يلتزم هو أولاً ما يدعو إليه، ليكون قوله مطابقاً لموقفه وعمله.
قد يتسلّل إلى صفوف المؤمنين علمانيون واشتراكيون وديمقراطيون أو مشركون في حقيقتهم. ثم يُخْفون ذلك حتى تلوح لهم الفرصة فيكشفوا عن حقيقتهم، ويبدؤوا ينشرون الفتنة بين المسلمين. ألم نر كيف أن حزباً أصولياً إسلامياً يعلن أن لا يدعى بإسلامي وأنه علمانيّ بكل معنى الكلمة؟! إنها صدمة نفسيّة أن نرى هذا الحشد الذي كان منتسباً إلى الإسلام حتى اعتُبر من الأصوليين، أعلن عن انتمائه العلماني وانتمائه إلى أوروبا! وربما هناك آخرون ألبسوا علمانيّتَهم وشِرْكهم قطعة رقيقة من الإسلام، شعاراً إسلامياً يخفي الحقيقة العلمانية أو الشرك. وقد يقول بعضهم إن هذا مجرد"تكتيك"، ولكنه تكتيكاً لا ندري من يخدع به، أي يخدع نفسه، أم المسلمين، أم العلمانيين، أم كل أولئك؟
لقد كشف واقعنا بالأمثلة الحيّة أن أيّ تنازل من الداعية عما يؤمن به، وقبوله ببعض ما يرفضه مداراة للطرف الآخر، بدعوى أنه قبول مرحليّ وتنازل مرحلي، حتى يتألف القلوب، إن أي تنازل مثل هذا فتح ثغرات واسعة في صفّ المسلمين، تسلل منها الطرف الآخر بدعوته ورسالته، فإذا المسلم الذي كان يرفض (الحداثة) مثلاً، أصبح بعد تنازله يسكت عن أخطاء الحداثة، ثم أصبح يألفها، ثم أصبح يدعو لها، بعد أن زيّن له الشيطان ذلك بالخطأ أو الانحراف:
(أفمن كان على بيّنة من ربّه كمن زُيِّن له سوء عمله واتبعوا أهواءهم) [محمد: 14]