فهرس الكتاب

الصفحة 2973 من 4219

وقد أبرزت القصة الإسلامية المعاصرة هذا الدور، ووضحت مكانة المسجد في حياة المسلمين، فبقي المسجد في ذاكرة القاص المسلم يستلهم من روحانيته، ويستمد من إشعاعه، ويعكس أثره في حياة الفرد والجماعة: مجاهدين ينطلقون من ساحاته، وتائبين يتأوهون في محرابه، وعلماء يصدعون بكلمة الحق فوق منابره، ودعاة يهزون أعماق الشاردين بمواعظهم وإرشادهم، وشباباً يؤوبون بعد أن انغمسوا في ملذات الحياة، حتى ليكاد تيارها يدفعهم إلى الأعماق لولا نقطة الضوء التي غرسها المسجد في قلوبهم، تضيء لهم طريق العودة، والفرار إلى الله.

ويظل المسجد رمزاً للطهر، وعنواناً لمواجهة الباطل، ومنارة خير يهتدي بها الخابطون إلى بر الهدى والأمان، ففي خضم الحياة، ومع تجاذب تياراتها للشباب يكاد الفتى"يسار"- كما في قصة"حديث الشيخ"لداود سليمان العبيدي - ينزلق في الهاوية بعد أن راهن أحدهم على إغوائه عن طريق جارية حسناء، تتعرض له في الطريق بحجة إعانتها على مشكلة حلت بها، ويتأرجح الفتى يسار وقد شغلته، فيستدرجه المراهن إلى منزله، ليطلعه على مخطوط نفيس، ويجمعه بالجارية، ويقدم له كأساً من الخمر، وهو يقول: اشربْ يا يسار لقد أقسمت أن أسقيك بنفسي، وبذلتُ للجارية ألف دينار؟ فيرتاع يسار، وتلوح له صورة المسجد بطهره وروحانيته، ويتذكر صورة إخوانه، وثقة الشيخ به، فينفجر غاضباً، يركل الطاولة، ويمضي يحث الخطى إلى المسجد، ليصل إليه، وقد أُديت صلاة العشاء، والشيخ لا يزال في مكانه كأنه ينتظره، وتتحول الكلمات إلى دموع، وهو يستمع إلى قوله - تعالى:"وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى" (82) (طه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت