وللعلم فإني لم أذكر مواقف الأنبياء العظماء - عليهم الصلاة والسلام - فمواقفهم كثيرة لا تحصر، ولكن خشية إن ضربت بهم مثلاً أن يقول أحد: ومن نحن عند هؤلاء الأنبياء العظام؟! عليهم الصلاة والسلام.
لذا ضربت أقل ما نرى في هذا الوجود همة مثل النملة والهدهد، ثمَّ أحد المواقف البشرية التي قام بها أحد الصحابة ـ رضي الله عنه ـ لعلها تقدح في أنفسنا نسائم الإرادة، و ليعلم المسلم سبب وجوده في الحياة؛ فلم يُخلق عبثاً، بل خلق للعمل والعبادة والابتلاء والتمحيص ... فلا بد من استشعار المسؤولية الفردية التي كلفه الله بها؛ فقد قال ـ - تعالى - ـ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92 - 93] ، وقال: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] وقال - تعالى: {إن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 93 - 95] .
ثم إنه - تعالى - أوصانا بالعمل جميعاً، فقال: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105] ؛ فالعمل لهذا الدين مسؤولية الجميع.
أيا صاحِ هذا الركب قد سار مسرعاً ونحن قعود ما الذي أنت صانع؟
أترضى بأن تبقى المخلَّفَ بعدهم صريعَ الأماني والغرام ينازع
فـ {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] .
وما أجمل ما خطته يد ابن الجوزي حين كتب: (أول قدم في الطريق: بذل الروح ... هذه الجادة؛ فأين السالك؟!!) (2) .