و لقد كشَف ابن القيِّم عن عملِ (المُبَارَك) فقال: (فإن بركة الرجل تعليمه للخير حيث حلَّ، و نصحه لكل من اجتمع به، قال الله - تعالى - إخباراً عن المسيح: {و جعلني مباركاً أينما كنت} أي: معلماً للخير، داعياً إلى الله، مرغباً في طاعته.
فهذه من بركة الرجل، و من خلا من هذا فقد خلا من (البركة) ، و مُحْقَتْ بركة لقائه و الاجتماع به، بل تُمْحَقُ بركة من لَقِيَه و اجتمع به)
انظر: رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه؛ ص 5.
و (البركة) إذاً أنواع متنوِّعة، و أقسامٌ شتى، يجمعها أمورٌ:
الأول: (البركة) في النفس.
و لا يستريب عاقلٌ أن مراعاة المرء (البركة) في نفسه، وتربيتها و تنميتها أولى من مراعاتها في غيره.
و (البركة) في النفس تشملُ أصولاً ثلاثاً:
الأول: (البركة) في الإيمان.
و أعني بها: القُرُبات و الصالحات. (البركة) فيها حِرْصُ المرء على أن يكون من أهل الطاعات و الصالحات، ذا برٍّ و تُقى.
الثاني: (البركة) في العلوم.
و المعني: تنمية العقل و الذهن بما ينفعه من العلم.
الثالث: (البركة) في التعامل.
و هو فيما يتعلَّق بجانب الخُلُق، و الأدب.
و هذه الأصول جوامعُ (البركة) في نفس الرجل.
الثاني: (البركة) في المكان.
لا يخلو المرء من مكان يقطنه، و أرض يطأها، و الناس في ذلك أبناءُ عِلات تجمعهم طبيعة الركون إلى الأرض، و يختلفون في أجناس الأراضين.
و المُوَفَّقُ من كان في الأرض الحالِّ بها (مُبارَكاً) و (مُبَارِكَاً) فيها.
و كونه (مُبارِكاً) فيها أي: أن يكون آتياً بأعمالٍ ثلاث:
الأول: ناشراً عِلماً مُهْمَلاً.
الثاني: مُحْيياً طاعةً مُمًاتةً.
الثالث: نافياً معصيةً.
و لابدَّ من كونه ذا:
• حكمةٍ في التبيلغ.
• علمٍ فيما يدعو إليه.
• رحمةٍ بمن جانب طريق الطاعات.
الثالث: (البركة) في الزمان.
هذا ظرفٌ ثانٍ يكتنف الناس، و إيجادُ (البركة) فيه من جهة أن يكون الزمان محلاً مناسباً لإيجاد (البركة) فيه.
و الأزمنة أقسام: