فهرس الكتاب
وأما التزكية: فهي التطهير للنفس والتربية لها، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس: 9، 10] ، فالرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - كان حريصاً على تطهير صحابته من الأهواء، والارتقاء بهم عبر مدارج الإيمان إلى ما هو (أحسن عملاً) ، من مثل قوله لعبد الله بن عمر: «نِعْم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» (1) .
وانظر ـ رحمك الله ـ كيف ذكر (التزكية) قبل (التعليم) في الآيتين، مع أنه لا تزكية بغير تعليم ابتداء، على ما ترجم له الإمام البخاري - رحمه الله - في كتاب العلم من صحيحه قال: «باب العلم قبل القول والعمل» . وقد تقدم ذكر التعليم على التزكية ـ بناء على الأصل ـ في قوله - تعالى - من سورة البقرة: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة: 129] .
صحيح أن العطف بالواو في الآيات ـ كما هو في العربية ـ لا يفيد الترتيب، لكن التقديم والتأخير في البلاغة يفيد الأهمية؛ ومن هنا جاءت التزكية في الآيتين الأوليين مقدمة على التعليم؛ من باب ذكر المقاصد قبل الوسائل؛ لشرف الغاية وعلوها، وحتى لا يفتتن السائر بالوسيلة عن الغاية؛ فيضل عنها، ويكون من الخاسرين.
تقول لي: وما بال التحلم؟ أقول: ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - ما عَلَّم ولا زَكَّى إلا بحِلْم؛ فهو الخاصية العظمى لمنهج التعليم والتزكية لديه - صلى الله عليه وسلم -، كما سترى بحول الله.