فهرس الكتاب
والحِلْمُ: الرزانة، والكياسة، والرحمة، والأناة. وهو ضد الجهالة والسفه. والتَّحَلُّمُ: تخلق الحلم وتكلفه حتى يصير لك خلقاً، ومعنى (اتباع السنة تحلماً) : التخلق بأخلاقه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك. أي في حلمه، وصبره على جهالة الناس، وسفههم. قال - صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم. ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه» (2) .
إن الاتباع العام للرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل شيء، إنما مفتاحه في التحلم بحلمه. وهذا ـ من حيث المعنى ـ في كتاب الله، ألم تقل عائشة - رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن» (3) ، فالعود إذن للقرآن نبحث فيه عن معنى الاتباع ومفهوم التأسي. الآية واضحة ظاهرة لكل ذي قلب شهيد، قال - تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] ، وإنها لآية عظيمة، وحكمة بالغة، وصراط مستقيم؛ تدبر هذه العبارة الربانية: {أٍُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ؛ فأما الأسوة: فهي التَّخَلُّقُ. فالتأسي: اتباع السيرة والتخلق بما كان عليه المتأسَّى به من خلق عام. والخلق هنا هو كل الأوصاف التي كان يوصف بها في سلوكه وعمله، عدا الأوصاف الجبلِّية التي لا يمكن اكتسابها بالتأسي ولا بغيره. ووصف الأسوة بـ (الحسنة) دليل على علو شأن الخلق النبوي، وكمال سيرته وسلوكه العام والخاص، فهو لذلك كان أرقى نموذج بشري للتأسي والتخلق. أليس هو (رسول الله) المصنوع على عين الله، والمتأدب بأدب الله؟ بلى والله! فإذن من ها هنا يبدأ التأسي والاتباع، ومن أخطأ هذا المدخل للسنة النبوية فقد أخطأها كلها؛ إذ أتى البيوت من غير أبوابها.