فهرس الكتاب

الصفحة 3054 من 4219

بلاغ قادم من عالم الغيب، من فوق سبع سماوات إلى عالم الشهادة، إلى الإنسان المتحرك فوق هذه الأرض، وبين العالمَيْن مسافة رهيبة، لا تستطيع النفس استيعابها مهما أوتيت من قدرة على الخيال، فجاء القرآن رسالة تعبر تلك المسافات كلها لتلقي على الإنسان خطاباً ربانياً عظيماً يحمل قضايا محددة قصدَ (إبلاغها) للإنسان، قضايا أو إن شئت فقل: (بلاغات) هي مناط مسؤوليته ووظيفته في الأرض.

ولقد كان أول هذه البلاغات هو القرآن نفسه، أعني أن أول ما جاء القرآن ليبلغه إلى الناس هو هذا المعنى الرسالي للقرآن، حتى لا يقرأه أحد أو يستمع إليه بعيداً عن هذه الحقيقة الكونية الكبرى، فلا يستفيد من بلاغاته الربانية شيئاً.

إن أول ما يجب أن يعرفه الإنسان من القرآن هو طبيعة هذا القرآن، من حيث هو رسالة رب الكون مرسلة إلى واحد من أهم سكان الكون: أنت، وأنا، وكل إنسان .. فكان ذلك هو البلاغ الأول للقرآن.

ومن هنا فما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله إلا بهذا القرآن استجابة لقوله ـ - تعالى - ـ: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً} [الفرقان: 52] ، وكذلك كان صحابته الكرام على هديه؛ فما أسلم أغلب من أسلم من الصحابة إلا بعد سماع القرآن، وهذا أمر متواتر في كتب السنن، وكتب السير والمغازي لمن استقرأه وتتبعه، ومن أشهر الأمثلة على ذلك قصة مفاوضة قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ بعثت إليه ممثلها الوليد بن عتبة، فكلمه في أن يكف عن تسفيه أحلامهم، حتى إذا فرغ من مقالته قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم: «أفرغتَ؟» قال: نعم! قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {حم* تّنزٌيلِ مٌَنّ الرَّحًمّنٌ الرَّحٌيمٌ} [فصلت: 1، 2] حتى بلغ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت