والتدبر هو غاية كل ذلك ونتيجته؛ ولذلك قال - عز وجل: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] . فجعل غاية الإنزال للقرآن التدبر والتذكر، ولولا التدبر لما حصل التذكر الذي هو يقظة القلب، وعمران الوجدان بالإيمان؛ فالتدبر هو المنهج القرآني المأمور به لقراءة القرآن العظيم؛ ومن هنا زجره - تعالى - للناس الذين لا يتدبرونه. قال - سبحانه: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] ، {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء: 82] .
فما التدبر إذن؟
تَدَبَّرَ الشيء ـ في اللغة ـ يَتَدبَّرُه: تتبع دبره، أي نظر إلى أواخره وعواقبه ومآلاته، كيف هو إذا صار إليها؟ وكيف يكون؟ جاء في لسان العرب: (ودَبَّرَ الأَمْرَ وتَدَبَّره: نظر في عاقبته، واسْتَدْبَرَه: رأى في عاقبته ما لم يرَ في صدره، وعَرَفَ الأمْرَ تَدَبُّراً أي بأَخَرَةٍ. والتَّدْبِيرُ في الأمر: أن تنظر إلى ما تَؤُول إليه عاقبته. والتَّدَبُّر: التفكر فيه) (4) .
فتدبر القرآن وآيات القرآن: هو النظر إلى مآلاتها وعواقبها في النفس وفي المجتمع؛ وذلك بأن تقرأ الآية من كتاب الله، فتنظر ـ إن كانت متعلقة بالنفس ـ إلى موقعها من نفسك، وآثارها في قلبك وعملك، تنظر ما مرتبتك منها؟ وما موقعك من تطبيقها أو مخالفتها؟ وما آثار ذلك كله في نفسك، وما تعانيه من قلق واضطراب في الحياة الخاصة والعامة؟ تحاول بذلك كله أن تقرأ سيرتك في ضوئها، باعتبارها مقياساً لوزن نفسك وتقويمها، وتعالج أدواءك بدوائها، وتستشفي بوصفاتها.