فهرس الكتاب
فليس عجباً أن يكون تالي القرآن متصلاً ببحر الغيب، ومأجوراً بميزان الغيب، بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها، والحرف إنما هو وحدة صوتية لا معنى لها في اللغة، نعم في اللغة، أما في القرآن فالحرف له معنى، ليس بالمعنى الباطني المنحرف، ولكن الرباني المستقيم، أوَ ليس هذا الحرف القرآني قد تكلم به الله؟ إذن! يكفيه ذلك دلالة وأي دلالة! ويكفيه ذلك عظمة وأي عظمة! فعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (5) ، {ذّلٌكّ فّضًلٍ اللَّهٌ يٍؤًتٌيهٌ مّن يّشّاءٍ وّاللَّهٍ ذٍو الًفّضًلٌ العّظٌيمٌ} [الجمعة: 4] .
إنه - تعالى - تكلم، وهو - سبحانه وتعالى- متكلم، سميع، بصير، عليم، خبير، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، نثبتها كما أثبتها السلف، بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه. لقد تكلم - عز وجل -، وكان القرآن من كلامه الذي خص به هذه الأمة المشرفة أمة محمد - عليه الصلاة والسلام -، فكان صلة بين العباد وربهم، صلة متينة، مثل الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، طرفه الأعلى بيد الله، وطرفه الأدنى بيد من أخذ به من الصالحين.
قال - عليه الصلاة والسلام - في خصوص هذا المعنى، من حديث لطيف تشد إليه الرحال: «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض» (6) ، وقال في مثل ذلك أيضاً: «أبشروا .. فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به؛ فإنكم لن تهلكوا، ولن تضلوا بعده أبداً» (7) . وروي بصيغة أخرى صحيحة أيضاً فيها زيادة ألطف، قال - صلى الله عليه وسلم: «أبشروا .. أبشروا .. أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قالوا: نعم! قال: «فإن هذا القرآن سببٌ طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به؛ فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبداً» (8) .