فهرس الكتاب

الصفحة 3100 من 4219

قال الشوكاني - رحمه الله - في"فتح القدير":".. عن ابن عباس قال: [فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض] والنفق: السرب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لهم سلماً في السماء فتصعد عليه [فتأتيهم بآية] أفضل مما أتيناهم به، فافعل [ولو شاء الله لجمعهم على الهدى] يقول - سبحانه - لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين".

وقال القرطبي - رحمه الله - في"الجامع لأحكام القرآن":".. [فلا تكونن من الجاهلين] أي: من الذين اشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد وإلى ما لا يحل. أي: لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين".

والأعجب من ذلك أن يُنسب إلى تقصير الدعاة: انتكاس المنتكسين، ورجوع بعض التائبين على أعقابهم بعد حين! فهل يملك الدعاة مفاتيح الثبات؟! أم أنهم هم أنفسهم يتعوذون بالله من الحور بعد الكور، ومن مضلات الفتن والأهواء؟!

[وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ .. ] (المائدة: 41) .

إن الغلو شرٌّ كله، حتى في المشاعر! وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد نُهي (وهو خير البشر وأصدقهم غيرة وأعلاهم همة) عن إهلاك النفس بالحسرات:

[فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا] (الكهف: 6) .

[فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ] (فاطر: 8) .

وبهذا يتضح الفرق بين الهم النابع من علو الهمة، ومحاسبة النفس، الذي لا يكاد ينفك عنه الدعاة الصادقون؛ فيؤجج الحماسة في نفوسهم للمزيد من البذل والعطاء، وبين الهم المحبط المقعد الذي يقبع أصحابه في دائرة مغلقة عليهم لا يكادون يبرحونها، بدلاً من مغالبة التقصير (الذي ينتقدونه!) ودفعه عن أنفسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت