إن عقلية الشح تطلب الشرف كله لها وحدها، ولا تقبل أن تشارك الآخرين في ربح أو نجاح أو شرف، حتى ولو كانت مشاركة الآخرين تعود عليها بأضعاف ما تحصل عليه منفردة من ربح و نجاح وشرف، بل حتى ولو كان من يريد مشاركتهم أحد أصحاب الفضل عليهم من ذوى القربى.
وفي الجانب الآخر هناك عقلية السعة، التي ترى أن الكون واسع رحيب، موارده متجددة، وخيراته متعدده، يكفي الجميع، ويسع الكل، (ولله خزائن السموات والأرض والله على كل شيء قدير) ، وأن النجاح والتفوق والسعادة والشهرة والثروة كلها ليست تقبل المشاركة فحسب بل تزكو وتتضاعف بالمشاركة، فقد صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( ما نقص مال عبد من صدقة ) ) (2) ، كما صح قولهم عن العلم:
يزيد بكثرة الإنفاق منه *** وينقص إن به كفاً شددتا (3)
إن النجاح الحقيقي هو النجاح في نقل النجاح للآخرين، وإن الفرح الحقيقي هو الفرح بنقل الفرح للآخرين، يقول الشيخ سيد قطب - رحمه الله:"إن الفرح الصافي هو الثمرة الطبيعية لأن نرى أفكارنا وعقائدنا ملكاً للآخرين ونحن بعد أحياء، إن مجرد تصورنا لها أنها ستصبح ـ ولو بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض ـ زاداً للآخرين ورياً، ليكفي لأن تفيض قلوبنا بالرضى والسعادة والاطمئنان!"
(التجار) وحدهم هم الذين يحرصون على العلاقات التجارية لبضائعهم؛ كي لا يستغلها الآخرون ويسلبونهم حقهم من الربح، أما المفكرون وأصحاب العقائد فكل سعادتهم في أن يتقاسم الناس أفكارهم وعقائدهم، ويؤمنوا بها إلى حد أن ينسبوها لأنفسهم لا إلى أصحابها الأولين!" (4) ."