وقد جعل ابن القيم - رحمه الله - تعالى - الفرق بين الأمرين كالفرق بين تعظيم أمر الله وتعظيم النفس. فالناصح لله المعظم لله يحب نصرة دينه، فلا يضره تمنيه أن يكون ذلك بسببه وأن يكون قدوة في الخير. أما طالب الرياسة فهو ساعٍ في حظوظ دنياه، ولذا ترتب على قصده مفاسد لا حصر لها (32) .
والمقصود أن الداعية المخلص يكره التصدر والإمارة والشهرة بطبعه؛ لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيرة، وهو فارس الميدان إذا تعين عليه التصدر؛ وقد حكى الله من دعاء المؤمنين قولهم: ?وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً? [الفرقان: 74] أي: أئمة هدى يقتدى بأفعالهم، وهذا لشدة محبتهم لله، وتعظيمهم لأمره، ونصحهم له، ليكون الدين كله لله، وليكون العباد ممتثلين لأمره.
وقال - سبحانه وتعالى- قاصاً كلام يوسف - عليه السلام: ?قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ? [يوسف: 55] ، وليس ذلك حرصاً منه على الولاية، وإنما هو رغبة في النفع العام، وقد عرف من نفسه الكفاية والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه، فقصده إصلاح أموال الناس، وهو جزء من رسالة الداعية إلى الله، الذي يكون همه الأول فعل الخير طلباً لمرضاة الله - تعالى -، وليس قصده إرواء غليله، وإرضاء شهوته في الزعامة؛ فالضابط فيها هي النية والموازنة بين المصالح والمفاسد العامة.