وصف ذلك ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كلمة واسعة شاملة، ندخل بها إلى حديثنا وموضوعنا هذا؛ لملامسته لكثيرٍ من أحوال أمتنا وصور واقعنا، قال ابن القيم - رحمه الله:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الذروة العليا منه - أي الجهاد - واستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفع العالمين ذكراً، وأعظمهم قدراً، وأمره الله - جل وعلا - بجهاد الكافرين من حين بعثه الله، فقال - تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً} ."
فهذه سورة مكية، أمر فيها بالجهاد للكافرين، ولذلك - أي لتوضيح هذا - أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو تبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر الإسلام، قال - تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} .
فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه - وإن كانوا هم الأقلين عدداً - فإنهم أعظم الناس عند الله قدراً"."
هذا الإيجاز بين الجوانب العظيمة التي جاهد فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - جهاد القلب والجنان وجهاد الدعوة والبيان وجهاد السيف والسنان، وكلها ميادين عظيمة لو أردنا أن نراها في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فهي هاهنا ثلاثة أثلاث، اثنان منها ليس في جهاد الميادين القتالية العسكرية.
وإن جئنا إلى السيرة الفعلية النبوية في حياته - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنا واجدون من الزمان زماناً ممتداً عظيماً كان ميدان جهاد القلب والجنان والدعوة والبيان هو الأول والأخير فيه.