فإذا شاعت المعاصي، وأضاع الناس معها إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كانت العاقبة الحتمية هي هذه، أعني انحراف القلوب عن بعضها، وفقدان المحبة الإيمانية، وإذا كان هذا أمراً مشيناً في حق أي مسلم، فهو في حق الدعاة أعظم قبحاً، وأكثر زراية بهم.
(ب) الجدل بالباطل، بحيث يكون غاية المحاور، هو مجرد السعي إلى التغلب على الآخرين طلباً للعلو والفخر، والتعالي عليهم، والظهور بمظهر العالم المتبحر، وليس الغرض إظهار الحق، وتحرير مكان الخلاف، وجمع الأدلة وتمحيصها ومعرفة ما قد يكون منها متعارضاً أو ضعيفاً أو منسوخاً، إلى غير ذلك من طرق الاستدلال، بحيث ينتهي الأمر بالمتحاورين إلى رأي موحد في القضية، وقد يتمسك كل طرف برأيه عند الاختلاف في مأخذ الاستدلال أو الاختلاف في الفهم، ومع بقاء حسن الظن، وسلامة الصدور، والإعذار، والحرص على أن لا يُخدش حمى المحبة بسوء يكدره. ولكن عند غلبة الهوى وحب الظهور وتأثير نزع الشيطان يتحول الأمر معه إلى عداوة وافتراق وتبادل الاتهامات بما يوغر الصدور، ويفتح أبواب شر يصعب إغلاقها، وينهار بسببها بنيان المحبة والمودة. وقد وردت نصوص في الكتاب والسنة تحذر من الجدال الباطل، ومن ذلك قوله تعالى: (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق) [سورة الكهف: 56] .
(الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا) [سورة غافر: 35]
(وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم إذا لمشركون) [سورة الإنعام: 121] .
(إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلى كبر ما هم ببالغيه) [سورة غافر: 56] .