فالدعوة إنما تكون إلى: { ... سَبِيلِ رَبِّكَ ... } التي هي الإسلام الذي أنزله على نبيه - صلى الله عليه و سلم - كما قال - سبحانه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... [153] } [سورة الأنعام] . وكما قال - عز وجل: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [6] صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [7] } [سورة الفاتحة] .
وما أجمل ما كتبه الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - حيث يقول: 'إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله، والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة؛ فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه' [4/ 2201الظلال] .
والحقيقة إن تحريف مسائل الشرع - ولو كانت في عين البعض صغيرة - أمر في غاية الخطورة، وهو في واقع أمره من الكذب على الله، وعلى رسوله - صلى الله عليه و سلم -؛ ولهذا، فإن الشارع قد جوز للعالم، أو الداعية أن يكتم بعض العلم لمصلحة معتبرة يراها، وله في بعض الأحيان السعة في هذا الأمر.
ولكنه لم يجوز لهم بحال أن يغيروا أو يبدلوا شيئا مما بينه وقرره الشرع تحت أي دعوى ولا اعتبار لما يتوهمه البعض من المصالح الموهومة المتعلقة بذلك، بل جاء الوعيد الشديد، والتهديد الأكيد الذي يزجر القلوب عن ذلك أشد الزجر، ويردعها عنه أعظم الردع، كل ذلك إبقاء للحق على نصاعته، وحفظا له، وصيانة لمصادره.