من كان يشعر بمعية الله وحفظه وتأييده فإنه يقدم على مثل هذه الخطوات ولا يخشى من انتفاش الباطل وغطرسته وتعاظمه، وتصغر في عينه عروش الملوك، فلله الملك، (( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) ) [آل عمران/26] .
هذه الخطوات يقدم عليها الأنبياء وورثة الأنبياء الذين أوتوا العلم ويخشون الله ولا يخشون أحداً إلا الله. وهؤلاء هم الذين يحملون عبء الدعوة الصادقة، ويقومون بها حق قيام ولا يغترون بزخارف الدنيا وزينتها ولا يهابون سطوة الملوك فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
"من محمد عبد الله ورسوله""أدعوك بدعاية الإسلام".
دعوة صريحة وجهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل عظيم الروم، دعوة محصورة باتباع دين الإسلام لا غير دون خوف ولا وجل ولا مداهنة: (( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ).
إنه لأمر عجيب - في نظر المتأمل - أن تصدر هذه الدعوة في وقت كان نفوذ المسلمين ينحصر في بقعة صغيرة من الأرض (المدينة المنورة) لا تساوي شيئاً من الناحية المادية بجانب إمبراطورية الروم الممتدة في القارات الثلاث (أوربا وأفريقيا وآسيا) . وعلى الرغم من الفوارق الشاسعة بين إمكانيات ومقدرات الروم الهائلة، وحالة المسلمين الضعيفة في تلك الأيام، لم يدعه هذا إلى الشعور بالهيبة من قوة الروم وسيطرتهم، ومن ثم التنازل والمداهنة.