فما المناسبة بين هذا الحديث الذي ختم به الكتاب، وحديث الأعمال بالنيات الذي افتتحه به؟ والذي يبدو لي في الجواب عن هذا السؤال - والعلم عند الله - أن البخاري - رحمه الله - يريد أن يقول: إن من أخلص نيته لله - تعالى - وصدق في دعوته التي يدعو إليها، فإنه وإن بدأ الدعوة في غار فإنها ستبلغ ما بلغ الليل والنهار، وستتناقلها الأخبار حتى يخشى صاحبها ويخضع له كل ملك جبار.
فلله در الإمام البخاري - رحمة الله عليه - ما أبرع طريقته في الاستهلال والاختتام وما أبدعها وإنها لمنقطع القرين، فهو أمير المؤمنين في الحديث استوجب ذلك وهو له أهل. وما أعظم عواقب الإخلاص وصلاح النوايا وما أطيب نتائجها.
دعوة صريحة:
بعد أن تمت المصالحة بين المسلمين والمشركين على وضع الحرب بينهم عشر سنوات، وهو الصلح المعروف بصلح الحديبية، وعلى أن يرجع المسلمون من عامهم ذلك ولا يدخلوا البيت الحرام وليأتوه من العام القابل، بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكاتب ويرسل رسله إلى ملوك الأرض يدعوهم فيها إلى الإسلام.
قريش تحارب المسلمين، وتمنعهم من دخول مكة أرضهم التي أخرجوا منها وليس ذنبهم إلا أن يقولوا ربنا الله، ومع ذلك يراسل ملوك الأرض ويدعوهم فيها إلى الرجوع إلى أمر الله، والتسليم لحكمه - سبحانه وتعالى-!! كيف يقدم على مثل هذه الخطوة الجريئة من كان يحارب في بلاده ولم يسلم من أذى أعدائه؟! إن هذه الخطوات لا يقدم عليها إلا الواثقون من نصر الله، المتوكلون على الله وحده. إن الذي وثق بحفظ الله له يوم خرج من مكة مهاجراً إلى المدينة وأوى إلى غار ثور فأدركه المشركون، وكان صاحبه يقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما ظنك باثنين الله ثالثهما""لا تحزن إن الله معنا".