كما أنه ليس من ضير على الداعية أن يتخير الأساليب المناسبة لمن يدعوهم وأن يستعين ببعض ما أفرزته العلوم الحديثة في علوم الاجتماع والإدارة وغيرها في معرفة أحسن الطرق للوصول إلى قلوب المدعوين وعقولهم، ولاشك أن هذا مما يعينه على أن يدعو بالحكمة التي هي كما أسلفنا وضع الشيء في موضعه.
غير أن ذلك كله يجب أن يكون في إطار ما أسلفناه من ضرورة تحكيم النصوص الشرعية في كل الأمور، حتى لا يقع الداعية في أمور يظنها من صميم الحكمة والصواب، وهي عند التحقيق أبعد ما تكون عن ذلك.
وقد قرأت منذ فترة كتاباً صدر في بعض بلاد الغرب يدعو إلى أن يستفيد الدعاة من الأساليب الحديثة في التنظيم والإدارة وغيرها (3) ، وبدهي أنه ليس لنا من اعتراض على ذلك، غير أني قد وقفت في ذلك الكتاب على واقعة أوردها الكاتب تحت عنوان (الدعوة بين النظرية والتطبيق) رأيت أن فيها نموذجاً حياً يبين أهمية ما ذكرناه من ضرورة تقديم التأصيل الشرعي على ما قد يتوهم المرء بخبرته أنه من أسباب الحكمة في الدعوة إلى الله.
وملخص تلك الواقعة أن شيخاً كان يدرب طلابه على الدعوة إلى الله فكان يدرسهم نظرياً لمدة ستة أشهر، ثم يدربهم عملياً لمدة ثلاثة أشهر قبل أن ينطلقوا في مجال الدعوة، ولكن طالباً متعجلاً رأي أنه يكفيه الدراسة النظرية وأنه لا حاجة به إلى التدريب العملي، فانطلق رغم تحذير أستاذه يمارس الدعوة إلى الله، وذهب إلى قرية بعيدة فوجد خطيباً يخطب الجمعة، ولكنه ملأ خطبته بالكذب على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فما كان من الطالب إلا أن وقف بعد الصلاة صائحاً أن هذا الإمام كاذب، فرد الإمام أن هذا الشاب كافر يستحق العقاب فقام جمهور المصلين على الشاب فأوسعوه ضرباً، فرجع إلى أستاذه بضمادات وعظام محطمة، فقال له شيخه: دعني أريٍك مثالاً عملياً في الدعوة إلى الله.