ثم ابتسم صاحبي وحكى لي قصة ذات دلالة تربوية حصلت له مع ولده، قال: سبقني ولدي بالخروج من المسجد، وانتظرني عند الباب، وحين خرجت طلب مني بصوت خفيض شيئاً من"الفلوس"، فأعطيته فمال بها ووضعها أمام امرأة أو فتاة كانت تجلس أمام المسجد متلففة في ثيابها، ثم مشينا عائدين إلى البيت، وعنّ لي أن أسأله عن سبب اهتمامه بإعطاء تلك الفتاة شيئاً من المال، فقال: رأيتها وأنا آت إلى المسجد، وقد وقفت أمام المقهى وسألت ثلاثة من الشباب كانوا يدخنون"الشيشة"، فأعطاها كل واحد منهم شيئاً، ثم إنها جاءت وجلست أمام المسجد، وحين خرجتُ من المسجد في أول الخارجين لم أجد أحداً من المصلين أعطاها شيئاً، فقدّرت أن يجول في نفسها أن أهل المقهى أعطوني، والمصلين أهملوني ولم يعطني أحد منهم شيئاً، قال ولدي: فخشيت عليها من هذا الخاطر، فبادرت بإعطائها لأقطع على الشيطان كيده بها، هذا وجه، والآخر أني غِرت على أهل الصلاة أن يتقاصروا في الفضائل عن أهل الغفلة ولو في نفس تلك المسكينة المجهولة.
قال صاحبي: لا أدري كيف أصف لك سعادتي بما سمعته من ولدي، لقد بدد من نفسي الكثير من تلك المخاوف، لقد أينعت ثمار التربية، وهذه من بواكيرها، وشعرت أن المستقبل سيكون بإذن الله أفضل، وأيقنت أن الله لا يضيع أجر المحسنين.
إن الهم بأمر الدعوة، والتفاعل الوجداني مع قضاياها معيار دقيق للصدق مع الله، ومقياس صحيح لأثر التربية المنشودة، إن علينا نحن الآباء حين نحس من أبنائنا ببوادر هذا التفاعل الوجداني أن نزودهم بالدروس المستفادة من التجارب، وأن نقف بهم قريباً من خطوط الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، وأن نحكي لهم مما كان وما هو كائن من القصص الحق في طبيعة الطريق إلى الله، طريق الدعوة والجهاد، وأن نبين لهم أنه طريق شاق لكنه طريق لا يمضي فيه إلا الكرام الأوفياء لدينهم؛ الصادقين مع ربهم، وأن هذا الطريق ينتهي بأصحابه إلى الجنة حيث النعيم والتكريم.