إنها التربية بالسيرة النبوية، ولن تجد لمثلها تربية، إنك حين تقول لولدك: خذ بُني هذا الفصل من السيرة فاقرأه، إنها غزوة من غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عدد المشركين فيها أضعاف عدد المسلمين، لكن المسلمين انتصروا، قف بُني عند معاني التوكل على الله، والثقة الكبيرة في نصر الله وتأييده، وصدق اللجأ إليه - سبحانه - وقت الشدة، قف بني عند حب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرسولهم الكريم وتفديتهم إياه بأنفسهم، ماذا يعني قول هذا الصحابي حين طعن طعنة الموت: فزت ورب الكعبة؟ وماذا يعني قول الله - تعالى: (( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ) ) [التوبة:92] ، هل أدركت معنى ضراعة النبي صلى الله وسلم وشدة مناشدته لربه قبل المعركة.
إن الولد سيدرك قطعاً بعد معايشته أحداث هذه الغزوة بعقل واع، وحسٍ يقظ، وقلب حي معاني ما كانت لتدرك وتستقر في أعماقه وتشكل سلوكه وتؤسس مشاعره لو أنها قُدمت له نصائح نظرية مجردة، إنه بعد هذه المعايشة سيوقن أن النصر من عند الله وحده، وأن الأمر كله بيده - سبحانه -، وأنه المعز المذل، وأنه القادر على كل شيء، وأنه القاهر فوق عباده، وأنه - سبحانه - ولي الصالحين، وعندها ستمتلىء نفسه بالإيمان، وتفعم بالحب لله المنعم، وبالرهبة والرغبة والخوف والخشية والتعظيم له - سبحانه -، وتنصاع لأمره راضية خاشعة.