وفى الناس من تدخل قلوبهم الموعظة الحسنة، وتأسر مشاعرهم وتتعمق فيها بلطف، ولكن يجب أن تكون حسنة في ألفاظها وفى معانيها، تجعل القلوب تتوق وتتشوق إلى ما عند الله، فتنقاد إلى سبيل المؤمنين لتفوز بالجنة، كما يجب وهى تحذر من عواقب العصيان، وسوء منقلبه، أن تكون حسنة، لا فجاجة فيها ولا غلظة، ولا تقبيح فيها ولا تأنيب في غير موجب، فتعود القلوب الشاردة وتحيا القلوب المريضة بالموعظة الحسنة.
وفيهم من يأسرهم الجدال، عندما يكون الجدال بالتي هي أحسن - بصيغة التفضيل أحسن - لأن الأمر خطير وحساس، يقول سيد قطب - رحمه الله: (فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة، وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها عند الناس، فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلًا عن هيبتها واحترامها وكيانها، والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها في سبيل الله، لا في سبيل ذاته، ونصرة رأيه، وهزيمة الرأي الآخر) [4] .
2 -أن يكون عنوان الداعية هو: طلب الحق، فإن وفق إليه لزمه وانتصر له، وإن تبين له مجانبة الصواب في أي مسألة من مسائل الشرع، أو أي أسلوب أو منهج، قبِل النصح وعاد إلى الصواب، مرتاح البال مطمئن الضمير، فإن الأمر لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، (ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب: 136] ، ولاشك أن الأمر عزيز المنال، وأن الإذعان للحق مرتقى لا يرتقيه كل الناس، ولكن أهل التقوى والإخلاص - وهم قلة - يرتقون هذا المرتقى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.