فهرس الكتاب
إن الأخوة في الأمن والسلامة لا تكلف شيئاً! ولا تتعارض مع رغائب النفس؛ بل هي ذاتها رغبة من تلك الرغائب يسعى الإنسان لتحقيقها مقابل الراحة النفسية التي يجدها في تحققها.
أما في الشدة - أو في الطمع - فهنا تختبر الأخوة الاختبار الحق، الذي يتميز فيه الإيثار والحب للآخرين، ومن الأثرة وحب الذات، التي قد تخفي على صاحبها نفسه في السلام والأمن، فيظن نفسه"أخاً"محققاً لكل مستلزمات الأخوة!
كم جلسة .. كم درساً .. كم موعظة .. كم توجيهاً .. يحتاج إليها الإنسان الفرد، وتحتاج إليها الجماعة، وتحتاج إليها"القاعدة"ليرسخ في حسهم جميعاً هذا"المعنى"فلا يعود حقيقة ذهنية يستوعبها الذهن ثم ينتهي بها المقام هناك، إنما تتحول إلى وجدان قلبى، يتعمق في القلب حتى يصدر عنه سلوك عملي كذلك الذي ورد ذكره في كتاب الله:
(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [سورة الحشر 59/ 9]
إنه لمثل هذا كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يربى أصحابه رضوان الله عليهم، ثلاثة عشر عاماً في مكة، وسنوات في المدينة بعد ذلك.
لم يكن يقول في نفسه وهو في مكة: إلى متى نظل نربى تلك المشاعر دون أن"نعمل"! لأنه كان يعلم يقيناً - بما علمه ربه - أن هذا من العمل الأساسي المطلوب لإنشاء القاعدة المؤمنة التي وُجِّه صلى الله عليه وسلم لإنشائها.
وأن هذه الأخوة - فوق أنها ضرورية لإقامة القاعدة المؤمنة التي هي نواة"الأمة المسلمة"- فهي جزء من"التحقيق السلوكي"للا إله إلا الله.