فهرس الكتاب

الصفحة 3781 من 4219

وقوم عفويون يكرهون التخطيط والنظر إلى بعيد، ويرونه كذلك عبئاً ثقيلاً على أعصابهم لا موجب له، وهم أخيراً قوم قصار النفس يشتعلون حماسة لفترة موقوتة، ثم تخبو حماستهم كأن لم تشتعل قط، وتنصرف إلى موضوع جديد.

من هذه الطباع - المستمدة من تأثير البيئة - تسلمهم الإسلام فأنشأ منهم خلقاً آخر.

أنشأ منهم بادئ ذي بدء أمة شديدة التنظيم، لا تكره النظام ولا تتمرد عليهن بل تسارع إليه وتمتثل لمقتضياته.

وليس بنا - هنا - أن نستطرد كثيراً إلى الوسائل التي غير بها الإسلام طباع هذه الأمة المستمدة من البيئة، والموروثة فيها قروناً إثر قرون.

ولكنى كلما قرأت في كتب السيرة:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفنا للصلاة كما يصفنا للقتال"تهتز نفسي تأثراً وعجباً لهذا المربى العظيم صلى الله عليه وسلم كيف كان يعد هذه الأمة لمهمتها.

لتكون"خير أمة أخرجت للناس"‍وأعجب لهذا الدين كيف يصنع في النفوس، فيغير من الطباع ما يبدو لأول وهلة داءً مستعصياً على الحل!

كان عليه الصلاة والسلام لا يبدأ الصلاة حتى يرى الصف قد استقام، وكان يقوّم الصف بيديه الشريفتين، يلصق كتف هذا بذاك، وقدم هذا بذاك، حتى يقوّم صف الصلاة كصف القتال، كأنه بنيان مرصوص!

والإسلام كله نظام ودقة، مع سماحته التي تعطف على الضعف البشرى ولا تلعنه ما دام صاحبه لا يصر عليه، ومع نداوته التي تتعامل مع النفوس البشرية لا على أنها آلات وأدوات، ولكن على أنها مشاعر وعواطف، فيرفع عنها الحرج:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت