فهرس الكتاب

الصفحة 3783 من 4219

وتلك مزية الإسلام؛ فهو ينظم الحياة - في جميع جوانبها - مع المحافظة على"إنسانية الإنسان"ألا يتحول إلى آلة، فيفقد العمل دلالته النفسية التي يؤدى من أجلها، بل يظل الإنسان - مع محافظته على النظام - واعياً لأهداف وجوده، مريداً لتحقيقها في كل مرة، لا مدفوعاً دفعاً آلياً إليها.

ومع النظام لم تعد العفوية هي صورة العمل في الأمة الإسلامية، لأنه لكل عمل ضوابطه الشرعية، وللشريعة في كل عمل"مقاصد"ينبغي تحقيقها.

ومن ثم يراجع الإنسان كل عمل يعمله ليرى هل هو في دائرة الحلال المباح أم خرج عنها، ويراجع النتائج التي يمكن أن تترتب على عمله، ليرى هل هي متمشية مع مقاصد الشريعة أم مخالفة لها.

ومع النظام والانضباط والنظر في النتائج رباهم الإسلام على النفس الطويل والرؤية البعيدة؛ فهناك هدف بعيد لكل فرد، وهناك أهداف ممتدة لمجموع الأمة.

فأما الفرد فقد رباه الإسلام على أن يعمل لا ناظراً لدنياه وحدها، ولا لغده القريب وحده؛ بل وضع له هدفاً يتجاوز العالم المشهود كله، والحياة الدنيا كلها.

ليصل به إلى عالم الغيب وإلى اليوم الآخر؛ فيعمل في دنياه الحاضرة وفي لحظته الحاضرة وهو ناظر إلى عالم بعيد بعيد يتجاوز كل مدى الحس، ولكنه حاضر في قلبه كأنه يراه أمامه، وكأنه متحقق في هذه اللحظة.

ويعمل وفي حسه ذلك الهدف البعيد الذي يسعى كل لحظة إلى تحقيقه، وهو الجنة ورضوان الله، هدف لا يمكن أن يوجد في حس البشرية كلها هدف أبعد منه.

ومع ذلك فهو متعلق به دائماً، يشعر في كل لحظة أن كيانه كله مرتبط به، وأن كل خطوة يخطوها هي خطوة على الطريق إلى ذلك الهدف البعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت