فهرس الكتاب

الصفحة 3784 من 4219

وأما الأمة فقد رباها الإسلام على أن مهمتها لا تنحصر في تحقيق كيانها الذاتي المحدود، ولا في أن تعيش لحظتها الراهنة، وإنما لها هدف ممتد في الحياة الدنيا، وممتد من الحياة الدنيا إلى الآخرة، ذلك هو دعوة البشرية كلها إلى النور الرباني، والجهاد لتكون كلمة الله هي العليا في كل الأرض، لتكون شاهدة على البشرة كلها في اليوم الآخر:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [سورة البقرة 2/ 143] .

ولقد ظلت الأمة تلاحق هذا الهدف ما يقرب من عشرة قرون متوالية، لا تفتر حماستها له، ولا تتقاعس عن الجهاد من أجله، جيلاً بعد جيل، وهذا"أطول نفس"عاشته أمة في التاريخ.

ولكن خط الانحراف الطويل الذي مررت به الأمة، وآثاره فيها، ظل يحدث انحساراً مستمراً في حقائق الإسلام، وفي فاعليتها في نفوس الناس.

فارتدت الأمة رويداً رويداً إلى تأثير البيئة، ذلك أنه في غيبة العقيدة الحية المتمكنة من النفوس تصبح البيئة هي صاحبة التأثير، ومن ثم رجعت الأمة إلى طبيعتها الفوضوية التي تكره الانضباط، العفوية التي تكره التخطيط، القصيرة النفس التي تكره الرؤية البعيدة ولا تطيق المتابعة للأمد الطويل.

وإذ كانت هذه هي حالة الأمة - كما هو واضح لكل من يدرس أحوالها - فمن يصلحها؟!

هل تصلحها الأحزاب السياسية الموالية للغرب، وهي لا تضع ذلك في برامجها، ولا تقدر عليه حتى إن قصدت إليه.

وهذه هي تجربة قرن كامل من الزمان، كانت الأمة منجرفة فيه إلى تقليد الغرب والذوبان فيه، فما استطاعت الأحزاب الموالية للغرب، والداعية إلى التغريب، أن تصلح شيئاً في هذا المجال، وظلت الأمة - إن لم تكن قد زادت - في فوضويتها الكارهة للنظام، وعفويته الكارهة للانضباط، وقصر نفسها الذي يشتعل حماسة للحظات، ثم تنطفئ الحماسة وتخمد العزائم وتنصرف الجهود!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت