ولذلك أقول وأكرر أن الأمة تقوم على جيل: القرآن وازعه، والخوف من الله رادعه، أناس يخافون الله عز وجل بالسر والعلن، سواء أكان سوط الحاكم على رؤوسهم، أو لم يكن، بل يحركهم الدين والخوف من الله ويحركهم الإيمان بالله سبحانه وتعالى، هذا الجيل لا يمكن أن يتأتى إلا بتربية، ولذلك كان من حكمة الله ورحمته بهذه الأمة أن جيل الصحابة تربى التربية الكافية ولو أن الرسول من أول يوم دعا فيه الناس للإيمان جاءته كل قريش فدخلت في الإسلام في يوم واحد، ما تربى ولا خرج رجال، ولكن تأخر النصر إلى ثلاث عشرة سنة والمسلمون في الشدة العظيمة، والتعذيب والقهر والطرد والبلاء، حتى وجد الرجال، وفي السنوات الأخرى التي مكثها النبي في المدينة كانت أيضاً كلها فتن ومصائب لعلها أكثر من الفتن التي تعرض لها المسلمون في مكة، ذلك من أجل إخراج الجيل العظيم المبارك فالرسول نفسه أوذي في المدينة أعظم من الأذى الذي حصل له في مكة، وهذا كلام ليس مبالغاً فيه، بل أنا موقن من هذا، لأن الذي وقع له في المدينة أكبر بكثير من الأذى الذي وقع له في مكة، فالنبي سُبَّ في أهله، وقيل له: (أبعد عنا نتن حمارك) ، وقيل له: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ، وهذا الكلام في غاية الشدة، فالرسول لم يتعرض لمثل هذا الأذى في مكة ولا أوذي على هذا النحو في مكة، وكذلك قال تعالى للمنافقين: {أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} .