فهرس الكتاب

الصفحة 3869 من 4219

واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى إنه أمر بأن يوفر لهم كل ما يحتاجون إليه؛ لينسيهم هول ما تعرضوا له من محن , وأنشأ حمامات لهم في الأماكن التي ينزلون بها , يستحمون فيها متى احتاجوا إلى ذلك , وبنى لهم مارستانا لعلاج من يمرض منهم , ووكل بهم أطباء يتفقدون أحوالهم, وجعل تحت أيديهم خداما , يأمرونهم بالنظر في مصالحهم , وما يحتاجونه من علاج وغذاء , كما وظف الأطباء لزيارة المرضى الذين يستحيون من الذهاب إلى المارستان المجاني , وجعل لمن يمر ببلاده من أبناء السبيل وجبات غذائية في كل يوم.

وأكثر هذه النفقات كانت من ماله الخاص , إذ كان رحمه الله شديد الحرص على الإنفاق في سبيل الله , حتى روي أن صدقة النفل قد استنفذت جميع ما ملكه من الأموال , وأنه مات ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما , وجراما واحدا ذهبا , ولم يخلف دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة.

وهذا العمل النبيل منه لعل في ذكره تذكرة لأهالي البلاد الإسلامية التي عافاها الله من الوقوع تحت نيران الاحتلال؛ ليقوموا بواجبهم تجاه إخوانهم الذين حوصروا في ديارهم أو أخرجوا منها دون ملجأ أو ملاذ.

وثاني هذه المآثر قضاؤه على كثير من الأنظمة والتقاليد الفاسدة والبدع التي عمت مصر أيام الحكم الفاطمي , ومن بينها الضرائب الباهظة غير الشرعية التي أثقلت كاهل المصريين من قبل , تحت مسميات شتى , ولم يُبق منها إلا ما له سند شرعي كالجزية والخراج وعشور التجارة.

وثالث تلك المآثر عدله بين رعيته , حيث وصفه من عايشه من العلماء بأنه كان عادلا رءوفا رحيما ناصرا للضعيف على القوي , وكان يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام , يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء , ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل واحد من كبير وصغير وعجوز وهرم وشيخ كبير , وكان يفعل ذلك سفرا وحضرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت