فهرس الكتاب

الصفحة 3932 من 4219

لقد أثمرت رحلات ابن المبارك لأنه قد ارتسم لنفسه منهاجًا يسير عليه، فلم يكن همه من ارتحاله جمع العلم مهما كان مصدره، بل كان التحقق من مصدره أساس منهجه؛ فقد سأله أبو إسحاق قائلاً:"يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك. فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عن من هذا؟ قال: قلت: هذا من حديث شهاب بن خراش. قال: ثقة عن من قال؟ قلت: عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة قال: عن من؟ قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف".

فهو حين يتوقف أمام هذا الحديث، لا ينكر ما فيه من البر، إلا أنه لا ينسب الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم مادام لم يتوفر لديه السند إلى رسول الله وإن كان الحجاج ثقة!!

منزلته عند الإمام مالك:

لأجل هذه الدقة التي توفرت لدى ابن المبارك والتزم بها، كان اهتمام الإمام مالك به .. فقد روي عن يحيى بن يحيى الليثي قال: كنا عند مالك، فاستؤذن لعبد الله بن المبارك بالدخول، فأذن له، فرأينا مالكًا تزحزح له في مجلسه ثم أقعده بلصقه، وما رأيت مالكًا تزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك، فربما مر بشيء فيسأله مالك: ما مذهبكم في هذا؟ أو ما عندكم في هذا؟ فرأيت ابن المبارك يجاوبه، ثم قام فخرج، فأعجب مالك بأدبه، ثم قال لنا مالك: هذا ابن المبارك فقيه خراسان.

ولنا أن نستعيد ما قاله والي المدينة حين جاءه الإمام الشافعي يحمل كتابًا من والي مكة ليتمكن الشافعي من لقاء الإمام مالك؛ حيث قال والي المدينة للشافعي:"يا فتى! لو كلفتني المشي من جوف المدينة راجلاً حافيًا كان أهون عليَّ من المشي إلى باب مالك .. وليتنا إذا ركبنا ووقفنا على بابه يفتح لنا الباب". لنعلم من هذا منزلة عبد الله بن المبارك عند الإمام مالك!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت