ومنها أنه جاء رجل إلى ابن المبارك فسأله أن يقضي دينًا عليه، فكتب له إلى وكيل له، فلما ورد عليه الكتاب، قال له الوكيل: كم الدين الذي سألته قضاءه؟ قال: سبعمائة درهم. وإذا عبد الله قد كتب له أن يعطيه سبعة آلاف درهم، فراجعه الوكيل، وقال: إن الغلات قد فنيت، فكتب إليه عبد الله: إن كانت الغلات قد فنيت، فإن العمر أيضًا قد فنى، فأجز له ما سبق به قلمي.
ولكثرة إنفاقه عوتب ابن المبارك فيما يفرق من المال في البلدان دون بلده، قال: إني أعرف مكان قوم لهم فضل وصدق طلبوا الحديث، فأحسنوا طلبه لحاجة الناس إليهم احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم.
وفاته:
قال الفسوي في"تاريخه": سمعت الحسن ابن الربيع يقول: شهدت موت ابن المبارك، مات لعشر مضت من رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، ومات سحرًا، ودفناه بهيت، ولبعض الفضلاء:
مررت بقبر ابن المبارك زائرًا .... فأوسعني وعظًا وليس بناطق
وقد كنتُ بالعلم الذي في جوانحي .. غنيًا وبالشيب الذي في مفارقي
ولكن أرى الذكرى تنبه عاقلاً .... إذا هي جاءت من رجال الحقائق
وعن عبد الرحمن بن عبيد الله يقول: كنا عند الفضيل بن عياض فجاء فتى في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة، فنعى إليه ابن المبارك، فقال فضيل:"إنا لله وإنا إليه راجعون، أما إنه ما خلف بعده مثله".