وكان من الشجاعة بالمكان الجهير، وله في ساحة الجهاد نوادر ذائعة، فقد كان في سرية ببلاد الروم خرجت للاستطلاع لا للقتال، ففاجأتها قوة ضخمة من الأعداء، واصطف الفريقان ونهض فارس رومي يدعو للمبارزة وفقًا لما كان معهودًا إذ ذاك، فتقدم إليه بطل مسلم، فلم يستطع نزاله، وخر شهيدًا، وتقدم ثانٍ فكانت النتيجة هي النتيجة، وتخوف المسلمون وذعروا من رهبة هذا الصائل الفاتك. وغلا الدم في رأس ابن المبارك، فخف إليه، واشتد الصراع بين الفارسين، وكل منهما يبدي من أساليب الصيال ما في طوقه كرًّا وفرًّا، في واقعة شديدة، لم ير الناس أرهب منها! ثم حصلت المفاجأة حين طعن ابن المبارك غريمه طعنة أصابت منه مقتلاً فسقط على الأرض، وكبر المسلمون، ورجع ابن المبارك وقد غطى وجهه حتى لا يشتهر بين الناس.
سخاؤه:
أما عن سخائه فحدث ولا حرج، فمواقف سخائه كثيرة مبثوثة في كتب التراث نذكر منها ما رواه محمد بن علي بن الحسن بن شقيق عن أبيه قال: كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج، اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك. فيقول: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم، فيجعلها في صندوق، ويقفل عليها، ثم يكتري لهم، ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام، وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طُرفها؟ فيقول: كذا وكذا، ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا قضوا حجهم قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا. فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة، فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو، فإذا كان بعد ثلاثة أيام، عمل لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسُرُّوا، دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صرته، عليها اسمه.