فهرس الكتاب

الصفحة 3964 من 4219

وهذه قضية تاريخية، ليست وليدة أيامنا، إنما هي بلية قديمة: أبو حيان التوحيدي يحرق كتبه التي أنفق عمره وعقله عليها؛ لأنه رأى أهل زمانه يتجاهلونه ولا يقدرونه، عالم آخر - نسيت اسمه - يترك البلد ويهاجر، فيسأله تلاميذه الذين لم يفطنوا لحاله: لماذا تتركنا وتنتقل عنا؟ فقال: لو وجدت كيلجة باقلاء لكفتني، ولما فارقتكم!! نعم إنه النحوي البصري النضر بن شميل.

كأنها حتمية أو سنة مطردة: من شاء أن (يقب ّ) على السطح فليس له بد من أن يغازل أعتاب الوجهاء، أو يبش في وجه (قبضايات) القرن - الصحفيين والإعلاميين، رضي الله عنهم ومد ظلهم العالي - لعله أن يحصل له شيء من الانطلاق والتلميع و (البروزة) .

أما من رزقوا الشمم، وعلو الهمم، وتقدير النفس، فإنهم يبقون معرضين عن السفاسف، طالبين للمعالي، متفرجين على ما يدور من عجائب وتناقضات، راصدين - في توتر - للتحولات في الأفهام التي باتت تقبل ما لم يكن مقبولاً، وتستبيح ما ليس يستباح بل ما لا يخطر ببال أحد أن يقترب منه.

ورحمة الله على القاضي الجرجاني الذي صرخ منذ وقت بعيد:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهانوه فهان .. ولطخوا محياه بالأطماع حتى تجهما

أأشقى به غرسًا .. وأجنيه ذلة؟! إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما

ورحمة الله على البارودي فارس السيف والقلم الذي قال:

خلقت عيوفًا لا أرى لابن حرة عليّ يدا أغضي لها حين يغضب

إذا أنا لم أعط المكارم حقها فلا عزني خال .. ولا عزني أب

ومن اللآلئ الساكنة في قاع المولد الإعلامي والدعوي الأستاذ العالم المتواضع - أحسبه والله حسيبه - أنور الجندي .. الذي خسرته أمة لا إله إلا الله قبل أيام، ولم يزاحم أحدًا في محاضرة، ولا موقف فخر، ولم يزعج وسائل الإعلام كي تتابع أخباره، وتتحدث عن عنترياته وبطولاته منذ كان في (اللفة ّ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت