فهرس الكتاب

الصفحة 3965 من 4219

رأيته مرة واحدة قبل عقد من السنين، حين ذهبت إليه في بيته بالطالبية، الجيزة، فلقيت رجلاً من النادرين، بسيطًا بساطة عاميّ خام، متواضعًا تواضع زاهدً، لينًا لين أب رحيم، واقعيًا لدرجة تدعو للأسى والغضب.

رأيت ويا سوء ما رأيت، بيته المتهالك في قلب (سوق الخضار) إي والله، ومن الصباح الباكر تقضّ مضجعه نداءات الباعة - عبر مكبرات الصوت - على ما لديهم من (الورور) والجبنة القديمة، واللحمة العجالي، والأمشاط والفلايات، والمناخل، والغرابيل (ولا تين ولا عنب زيك يا برشرمي) ، فإذا هدأت ضجة الميكروفونات قليلاً، لم تهدأ مشاجرات ومناقرات جاراته، وكلامهن المنتقى، ولم ينقطع ضجيج (العيال) العفاريت، الذين يتقاذفون الكرة (صدة ردة) في عز نقرة الحر، والمتبادلين لما لذَّ وطاب من الألفاظ التي يحلو للعامة أن يتقاذفوا بها في غير شحناء ولا خصومة.

دخلت حيث يسكن، ومعي فريق للتصوير التليفزيوني بعد أن أنهكنا البحث، فقد كنا نظن أنه من ساكني الفيلات الفاخرة، أو القصور (المحندقة) ، فإذا بنا نسأل المكوجي والجزار والجار فيقولون في استفهام: من أنور؟ لا نعرف أحدًا بهذا الاسم، وحين اهتدينا إلى بيته المتهالك، لم نجد مكانًا عرضه متر × متر، يصلح لأن نجلس به، بسبب قدم المكان، وكثرة الكتب التي زحفت إلى كراسي غرفة الاستقبال.

· ما رأيك يا أستاذنا الكبير لو تحركنا إلى الفندق لنتمكن من التصوير، حيث المكان واسع؟

-لا بأس .. كما تشاؤون .. تفضلوا وسألحق بكم.

وبشيء من التخابث سألته: كيف ستدركنا يا أستاذ في هذا الزحام .. كيف ستقود سيارتك؟

-لا .. لا أملك سيارة .. سألحق بكم بالأتوبيس.

وكأنما لسعني بكرباج فهتفت: الله أكبر .. بالأتوبيس؟ أنت العالم الكبير (تتشعبط) ونحن نسبقك بسيارة خاصة؟

-وماذا في ذلك؟ لقد تعودت ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت