لا حول ولا قوة إلا بالله .. الرجل العظيم .. بعلمه وسنه، وضعف جسمه، ومؤلفاته التي تزيد على السبعين (يتشعبط) في الأتوبيسات، بينما (هلافيت) الثقافة وتجار الصنف يركبون الشبح والزلمكة، ويلعبون (بالأنارب) ويتنعمون في المنتجعات القريبة والبعيدة؟
يا لخيبة أمة تتجاهل علماءها وأهل الفضل فيها.
ركب الأستاذ الزاهد السيارة معنا، وفي الفندق تحدثنا عن قضايا المسلمين في هذه العصر، وعن العروبة، واليسار الإسلامي، والعقلانية، والتراث، وغيرها من الآفاق التي طوفنا فيها، وبعد أن أتعبنا الأستاذ"أنور الجندي"وأزعجناه قدم مدير الإنتاج له ظرفًا به مبلغ من المال وهو يقول:"معذرة يا أستاذ على التقصير، المبلغ لا يليق بكم؛ لكنه رمز لمحبتنا إياكم، فنرجو أن تقبلوه مكافأة رمزية فقط".
-مكافأة؟ أنا لا أعرف أن هناك مكافأة، ولم أقل شيئًا يستحق أن أتقاضى عنه أجرًا.
· يا أستاذ: هذا مبلغ بسيط من الدولة، وليس منة من جيب أحد، وهو من حقك وليس تفضلاً
-لن آخذ شيئًا؛ لأنني ظننت أن الحديث بلا مكافأة، ولن أغير نيتي مهما كان الأمر.
· يا أستاذ .. هذا حقك .. نرجوك.
-لن آخذ قرشًا واحدًا .. اسمحوا لي بالانصراف.
وأوصلناه ونحن في حياء منه، ومن تواضعه وورعه، ونحن - أيضًا- في خجل من أنفسنا، وحرصنا على الراحة و (الكشخة) .
كان هذا منذ أكثر من عشر سنين .. وأنور الجندي ليس مجهول المكان، فكتبه تخرج تترى، ومقالاته تملأ المجلات الإسلامية والحال هو الحال.
إنه الداء الوبيل في الإسلاميين .. وواحسرتا عليهم!!
لقد أذنب أنور الجندي ذنبا فظيعا لا يغتفر .. أنه عفيف، قار في بيته .. لا يطرق الأبواب، ولا يزاحم الأتراب، ولا يهمه أن يقال حضر أو غاب!