فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 4219

وبدأت مرحلة التعذيب الرهيب كفعل أبى جهل بآل ياسر، وأمية بن خلف ببلال، ويكفي في تصوير شدة هذا التعذيب ما يرويه سعيد بن جبير قال: (قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده) (التهذيب / 72) .

ولقد أصاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تلك المرحلة شيء من الأذى، كالذي فعله به عقبة بن أبى معيط حين وضع سلا جزور على رأسه وهو ساجد، وعندما اجتمع عليه المشركون حول الكعبة ففرقهم أبو بكر عنه.

والحقيقة أن التعذيب لم ينته عند مرحلة معينة، بل استمر طويلًا، إلا أن الهدف منه في المرحلة الأولى والدعوة في طفولتها كان المحاولة في رد الأتباع القلائل عن دينهم، وتخويف غيرهم من الدخول في الدين، لكن بعد أن قويت شوكة الدعوة كان التعذيب لمجرد الانتقام، ولتنفيس الغيظ والحنق الذي في نفوس المشركين، أو للأخذ بشيء من ثاراتهم من المسلمين، ومن ذلك ما فعله المشركون بخبيب حين صلبوه.

ولابد لنا هنا من وقفة عند أثر هذه المرحلة على أتباع الدعوة، وعلى سير الدعوة نفسها: - أخرجت تلك الابتلاءات نماذج عظيمة في الثبات على دين الله، والتضحية في سبيل العقيدة.

-وكان فيها تربية صلبة للأصحاب أعدتهم رجالًا لتلك الدعوة، فوق ما ارتفعت به درجاتهم عند الله.

-وزادت من الترابط بين أتباع الدين الجديد.

-وأدت إلى شيء من تعاطف العامة من المشركين مع هؤلاء المستضعفين.

وهذه وغيرها مكاسب عظيمة للدعوة، كان الابتلاء سببًا مباشرًا لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت