إنه (التماسك حول العقيدة القومية والقيادة الأمينة هو الذي يتعب اليهود وأعداء الجماعة المسلمة -في كل زمان- وهو الذي يكلفهم الجهد والمشقة، ومن ثم تتجه جهودهم أولا لتحطيمه) [1] .
وتوضح الفتنة التي حدثت زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه هذا الدور والتخطيط اليهودي جليا، ودورانه حول محور واحد هو: إفساد طاعة الجنود لأمرائهم.
فقد كانت لعثمان رضي الله عنه اجتهادات في أمور بسيطة استغلها المغرضون في التشنيع عليه وإلباسها لبوس الإحداث في الدين، مثل إتمامه الصلاة في منى أيام موسم الحج، وحرق المصاحف التي تخالف مصحفه الذي دونه كبار قراء الصحابة بإشرافه، وإنهائه نفي الحكم بن أبي العاص ورده إلى المدينة بعد أن أبعده النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها. وله خطبة أثبتها ابن العربي في كتابه (العواصم من القواصم) بين فيها صواب اجتهاداته هذه.
ولكن اليهود رصدوا هذا الاختلاف البسيط في الصف المسلم، فدسوا رجلا منهم تظاهر بالإسلام، اسمه عبد الله بن سبأ، ليطور الخلاف إلى فتنة عارمة.
يقول الطبري في تاريخ:
(كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء، أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عنه أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر) .
لكنه كان يتسقط خلال رحلته هذه كل سارق وقاطع طريق ومفسد نالته عقوبة من أحد الولاة فتوترت نفسه، ويواعدهم أن يكونوا بالمدينة أيام يكون الناس حجاجًا بمكة، لينقلبوا على عثمان والناس غافلون.
ووضع لهم خطة أوجزها بقوله لهم:
(انهضوا في هذا الأمر، فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تستميلوا الناس، وأدعوهم إلى هذا الأمر) [2] .
هكذا، باسم الأمر بالمعروف يكون الهدم.
(1) في ظلال القرآن 4/ 222.
(2) تاريخ الطبري، الطبعة الأولى، القسم 6/ 2946/3018/ 3020.