فإن هذا معلوم لكل صانع يتكرر منه عمل؛ لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة الخيال، والثاني قد ارتسم وثبت له مثال، وإذا كان هذا في حق من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل، كذلك فما ظنك بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية؟ فهذه الآيات الكريمة على إيجازها برهان قائم على أن البعث مما يدخل تحت سلطان قدرته تعالى من باب أولى، وغير خاف عليك ما جاء فيه عن بني إسرائيل.
وعلى الجملة فللإيجاز موضع كما أن للإطناب موضعا، فاستعمال أحدهما موضع الآخر خطأ واضح وعي فاضح، كما روي عن جعفر بن يحيى البرمكي أنه قال:"متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيًّا". وقال الخليل: يختصر الكلام ليحفظ ويبسط ليفهم - وقد كانت العرب تطيل ليسمع منها وتوجز ليحفظ عنها - فالإطناب إذا لم يكن منه بد فهو إيجاز وهو في الوعظ خاصة محمود، كما أن الإيجاز في الإفهام محمود. والداعية الحازم هو الذي يتفرس في حال القوم ويأتي في كل حال ما يناسبه.
مقومات النجاح في تكوين الداعية [1]
التميز الإيماني من أهم ركائز ومستلزمات الدعوة:
إن الدعوة إلى الله هي مهمة الرسل والأنبياء، ورسالة الوارثين من الدعاة والعلماء (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن) ، والدعوة لها مستلزمات ومتطلبات، ومن أهم ركائزها وأولى دعائمها الإيمان والعلم وهما أعظم الأسس وأولى الأولويات، ولذا فإن التوضيح لهما والتركيز عليهما له أهميته في تثقيف وتكوين الدعاة.
ونبدأ اليوم بالتميز الإيماني والتفوق الروحي باعتبارهما الركيزتين الرئيستين اللتين تعتمد عليهما الدعوة.
(1) د. علي بن عمر بادحدح/ http://www.olamaalshareah.net