فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 4219

إن العمل في الإصلاح العام، والعمل المتقاطع مع السياسة - بشكل عام فيما يسمى بالعالم الثالث - شديد الخطورة والتعقيد، ومنطقه مختلف تماما عن منطق السياسة وحساباتها في الدول التي قطعت شوطا كبيرا في الإصلاح السياسي وأصبحت لديها قاعدة مؤسسية راسخة تحقق توازن القوى وتضبط السلوك السياسي في مجتمعاتها، فالعمل السياسي في العالم الثالث أشبه بالخوض في حقول ألغام، بما يعني بذل جهد مضاعف للتعامل بحكمة مع هذا الواقع، وبدلا من أن يحدث ذلك كانت الحركة الإسلامية أقل تحوطا في سلوكها الإصلاحي والحركي، وأقل قدرة على فهم موجات السياسة في بلادنا، وأقل قدرة على (تفكيك) الألغام المبثوثة في مسيرتها نحو الإصلاح، بل كانت أجيالها تنتشي باقتحام حقول الألغام حيث يتم تدمير أجيال من الحركة بدون طائل عملي حقيقي تجنيه الأمة، وكان منطق الخلاص الذاتي والفردي هو القائد، وروح التضحية الفردية، بينما كان المطلوب هو منطق البحث عن سبل النصر وشروطه، وروح الجماعة، وحسابات الزمن، ومصالح الأمة الكبرى، وأفق المستقبل، لم يكن المطلوب هو أن أقتحم اللغم لكي أفجره وينفجر فيّ، بل كان المطلوب هو أن أضع خريطة علمية لحقل الألغام، ومعرفة خصوصيات هذه الألغام، وأدرس كيفية تفكيك هذه الألغام، بحيث أنزع منها قدراتها على التدمير، وقد يمكن الإفادة من هذه الألغام ذاتها في مرحلة تاريخية معينة بشكل إيجابي لا يضر بمسيرة الحركة الإسلامية نحو الإصلاح، كل هذا لم يحدث، لأن الأفق السياسي كان غائبا، بل الأفق المستقبلي الأساسي كان غير موجود وغير موجه للحركة الإسلامية، ومن ثم كان الحديث عن (استراتيجية) مستقبلية - تحكم مراحل عملها، وتوجه بوصلة فعلها وتفكيرها -نوعا من الترف غير المطروح أساسا للنقاش الجاد.

عاقبة وخيمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت