وعمل الواعظين - في أغلب الأحيان - هو ذلك التذكير النافع، وهو تذكير لا يستغني عنه الناس يومًا، إذ طالما يعصف النسيان بأفكارهم، ويبعثهم على السير في الحياة دون وعي أو هدف، أليست تلك طبيعة البشر؟ قال تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) (الأنبياء: 1 - 3) .
وإسناد اللهو والهوى إلى القلوب يومئ إلى تغلغل الصوارف عن الجد، واستحواذها على صميم الإنسان، والنسيان بهذه الصفة مساو للجهل، فإن نتائج"فقدان الذاكرة"هي - نفسها - نتائج عدم العلم، ولذلك يقول الله جل شأنه: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر:19) .
وقد تتساءل: كيف ينسى المرء نفسه لأن نسى ربه؟ أو تقول: إنما نسى ربه لأنه ذكر نفسه! والجواب أن المنافقين المندفعين وراء شهواتهم المستغرقين في إشباع مطامعهم ورغائبهم لا يذكرون شيئا من مصالحهم الحقيقية، ولا يستفتحون طريقًا يصون لهم معاشًا أو معادًا.
إنهم يرتعون في الدنايا رتع الدواب في الربيع حتى تهلك بشمًا واعتلالًا، والشخص الذي تصرعه أهواؤه لا يدري شيئًا عن حاضره ولا مستقبله، ولذلك يعتبر ناسيًا نفسه، إنما جاء نسيانه لنفسه من نسيانه لربه، ولو ذكر حقوق الله وانتصب لأدائها لآتاه الله رشده، وبصَّره بما ينفعه، ويرفعه ومَسَّكه بما يضمن العافية له في دينه ودنياه.