الوجه الأول: أن الله سبحانه وتعالى سمى القرآن موعظة وهو مليء بالمواعظ، وقد أرسل به الرسول - صلى الله عليه وسلم - على قريش وقد كانت أمة كافرة تعبد الأصنام قال تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} (17) قال الزمخشري: أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد، شفاء أي: دواء لما في صدوركم من العقائد الفاسدة، ودعاء إلى الحق ورحمة لمن آمن به منكم. (18)
قالت الباحثة: فإذا كان الخطاب موجهًا للناس جميعًا ومنهم الكافرون أو كان لقريش خاصة، وقد سمي موعظة فدليل أن الكافرين يدعون بالوعظ، كما أن الوعظ هنا في التوحيد، والتوحيد يخاطب به أيضًا الكافرون.
والوجه الثاني: أن الله تعالى قد خص سورة هود في أن فيها موعظة للكافرين وتذكره لللمؤمنين، لشمولها على أحوال الأمم السابقة المكذبة لرسلهم، فعندما قص قصصهم قال تعالى: - في آخر السورة - {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} (19) قال الطبري: وجاءك موعظة تعظ الجاهلين بالله وتبين لهم عِبره ممن كفر به وكذّب رسله. وتذكرة تذكر المؤمنين بالله ورسله كي لا يغفلوا عن الواجب لله عليهم. (20) وقال القرطبي: الموعظة ما يُتّعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية المكذبة؛ وهذا تشريف لهذه السّورة؛ لأن غيرها من السّور قد جاء فيها الحقّ والموعظة والذّكرى ولم يقل فيها كما قال في هذه على التّخصيص. (21)