فهرس الكتاب

الصفحة 729 من 4219

وبعد أن رسّخ جوانب التوحيد بدأ بتشريع الأحكام والدعوة إليها متدرجًا معهم على وجه لا يشق عليهم، مراعيًا البدء بالأهم فالمهم كالصلاة ثم الزكاة وهكذا بقية أركان الإسلام، ومما يدل على هذا حديث ابن عباس - رضي الله عنه - حيث يقول: لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل - رضي الله عنه- إلى أهل اليمن، قال له: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم(16) الحديث.

ومما يدل على تدرجه صلى الله عليه وسلم مع المدعوين ومراعاة أحوالهم موافقته على شرط الداخل في الإسلام على أن لا يصلي إلا صلاتين (17) كما روى الإمام أحمد عن نصير بن عاصم رضي الله عنه عن رجل منهم أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل منه ذلك (18) .

وقد اشترطت ثقيف لدخولهم الإسلام أن لا صدقة ولا جهاد فقبل منهم وقال: (سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا) (19) .

كذلك تدرج عليه السلام في دعوته إلى أخلاق الإسلام حيث ابتدأ بالدعوة إلى أصول الأخلاق من الصدق والعدل وأداء الأمانة والعفة.

وهكذا في استخدامه صلى الله عليه وسلم للوسائل والأساليب لتبليغ دعوة الإسلام كان متدرجًا في ذلك، فبدأ بوسيلة القول في العهد المكي وبعد الهجرة إلى المدينة اتخذ وسيلة الحماية لجماعة المسلمين بالسرايا والغزوات ثم بعد أن هادن العدو في الحديبية أتخذ وسيلة بلاغية وهي الكتب والرسائل ثم البعوث لتبليغ الدعوة إلى العالم الخارجي.

والحكمة من هذا التدرج تهيئة النفوس للسماع ومن ثم قبولها للحق ليسهل الدخول في دين الله.

ولقد كان لتدرجه صلى الله عليه وسلم في الدعوة هذا الأثر العظيم الذي ظهر واضحًا في نفوس كثير من المدعوين بقبولهم الحق، وسرعة استجابتهم له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت