ويصيح القوم فرحاً بهذا!! قاتلك الله يا وليد! ما حملك على ألا تفعل ما فعل عمر، وقد وصفت القرآن بما هو حق، ونفيت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ليس بحق؟! كأني بقريش وقد أقسم الملأ منهم أن ما يأتي به محمد - صلى الله عليه وسلم - هو من عند هذا الغلام الأسود الذي يعتكف بجواره في غار حراء، كأني بهم وقد كلمت وجوههم وهم يرون هذا الغلام لا يتكلم العربية [وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ] (النحل: 103) . كأني برسلهم تعدو في الصحراء تقصد اليهود يسألونهم عن خبر هذا النبي، ويعطيهم اليهود الأمارة: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ سلوه عن رجل طوَّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ سلوه عن الروح ما هي؟ ويُعطونهم صفة الإجابة، وتعود الرسل، ويحشر الملأ القوم منادين فيهم: جئنا بالقول الفصل بيننا وبين محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعطيهم الصادق الأمين الأمارة تامة. ثم .. ماذا حدث؟ الموقف لا يتغير ولا يتبدل، يظهر الحق ويستيقن فريق من الناس، ثم يعاندون. وما كانت قريش بدعاً؛ فقد كان لهم سلف فيمن مضوا قوم نوح [قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] (هود: 32) جُودِلوا ودحضت حجتهم؛ فالطبيعي بعد هذا هو الإيمان، ولكن انظر إلى كلامهم ما أعجبه [جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] (هود: 32) .