الوجه الأول منهما: أن العاطفة فطرة بشرية، والله - سبحانه وتعالى - هو الذي خلق الإنسان، وهو العليم به كما قال - جلا وعلا: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ، وكما قال - سبحانه وتعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ؛ فإنه - جلا وعلا - قد خلق الإنسان قبضة من طين، ونفخة من روح، وجعل له عقلا يفكر، وعاطفة تؤثر، وبين عقله وعاطفته، أنزل له شرعا يوجه العقل، لئلا يشذ، ويحكم العاطفة لئلا تند، وبالتالي فإن طبيعة الإنسان وخصيصته البشرية أن العاطفة جزء أساسي فيه، بل جزء مميز له؛ فإن الإنسان في حقيقة الأمر مجموعة من العواطف، وكتلة من المشاعر، عنده حب متدفق، وقد يعتريه أحيانا بغض لا حد لمنتهاه في الانتصار للنفس، أو تدبير الكيد لذلك المبغض، وكذلك عنده راحة وطمأنينة، ويعتريه قلق وهم، وأحيانا يكون في صورة من الأنس والانشراح، وأحيانا يكون في وقت من التبرم والضيق وكل هذا نوع من صور العاطفة في نفس الإنسان، والحق أن الإنسان بلا عاطفة، كجثة هامدة، لأن العضلات والجوارح والمفاصل المكونة للجسم البشري - ليست هي التي تعبر عن كنه الإنسان، بقدر ما يعبر عنه قلبه وعاطفته، ولذلك نعرف اليوم ما يسمى بالرجل الآلي، أو قد يطلقون على الكمبيوتر العقل الإلكتروني فهذا إن تجاوزنا على أنه عقل مفكر، لكننا بهذه التسمية - على إقرارنا لها - لا نصف هذه الأشياء بأن لها عاطفة! هي عقل صرف إن تجاوزنا عن حقيقة العقل الذي يفكر ويغير، وليس هو مقيدا تقيدا كاملا، لكن ليس له عاطفة، فالإنسان بلا عاطفة كما نسمع في تعبيراتنا كأنه حجر، أو كأن قلبه من صخر لا يتأثر، يرى الفواجع فلا يهتز له جفن، ولا يخفق له قلب، يرى المباهج والمناظر الجميلة، فلا تفتر شفتيه عن الابتسامة، ولا تجد في عينيه بريق سعادة، إن هذا في حقيقة الأمر كتلة من صخر، أو أسمنت ليس فيه أية مشاعر، ولذلك قال بعض الأدباء - مع التجاوز عن بعض ما في هذه الكلمة-:"من لم يطربه"