ثالثا: ـ الأمراض النفسية من الكبر أو حب الذات والأنا أو الغرور؛ فإن بعضا من أولئك فيه علل مستعصية، وأمراض سرطانية تحتاج إلى استئصال، وما لم تستأصل؛ فإن نفسه تدفعه وتقوده وتدعوه إلى مثل ذلك السلوك، ومن ذلك أيضا - وهو سبب مشترك كما سبق أن أشرت - عدم الفقه أو العلم، يقول: الحق أحق أن يتبع، ويقول: لا بد أن أهجره في الله، ويقول: لا بد أن يكون هناك مفاصلة، عجبا كيف توقع الأمور في غير موقعها، وتنزل النصوص في غير ما هي مخاطبة به أو منطبقة عليه؛ فإنك تجد أن مجرد اختلافه مع أخيه في رأي واحد، أو في مسألة واحدة، تجعله يبدعه أو يفسقه، ويرى أن من الواجب الشرعي أن يهجره، بل من الواجب الشرعي أن يحاربه، هذا فقه سقيم، وجهل مركب - كما يقال - فهذه بعض تلك الأسباب لانحراف الغيرة عن واقعها الصحيح، وبالجملة؛ فإن هذا الانحراف العاطفي واقع في صفوف الدعوة وشبابها، وإحكامه يكون بالتربية الإسلامية والعلم الشرعي، والإدراك الواقعي، والقيادة الراشدة، وليعلم العلماء والدعاة والخطباء أن مسئوليتهم مضاعفة، فينبغي ألا يكونوا سببا في توسيع شقة الخلاف أو إذكاء نار التباغض أو التحاسد أو غير ذلك، وينبغي أن يعلم كل مسموع الكلمة أن كلمته يطيرها عنه المطيرون، وينقلها عنه الناقلون، ويفهمها عنه الفاهمون وغير الفاهمين وهو في آخر الأمر يدرك مثل هذا، لكنه للأسف لا يلقي له بالا، فإذا كان هناك شباب صغار؛ فإن لهم كبار، ولو توقعنا أنهم أخطأوا، فلنا أن نغض الطرف عنهم، أو أن نعتذر لهم بجهلهم، لكنهم إن رجعوا إلى من يستشيرونه أو يقتدون به، فوافقهم على خطأهم، أو شجعهم عليه، عرفنا أن تركيبة عقولهم، وأن صيغة تربيتهم مبنية على أساس خاطئ، ويكون الأمر حينئذ أكبر وأخطر، فالصغير أو الجاهل يغتفر منه ما لا يغتفر من غيره، فهذه بعض المعالم والملامح المتعلقة بأمر العاطفة والدعوة، وأسأل الله - عز وجل - أن يعصمنا من الزلل، وأن يرزقنا الإخلاص