لقد فهم القدماء ما لهذا اللقاء الأسبوعي من قيمة في تبصير المسلمين بأحوالهم، ومعالجة مشكلاتهم الآنية الدينية والحياتية وفضح أعداء الأمة، فهي نفحة إيمانية وكلمة توجيهية، وهي مؤتمر صلح عند اشتعال الفتنة.
هذه هي خطبة الجمعة عند القدماء .. ليست ذنباً أو عقاباً مفروضاً من الله كما يظن بعض الخطباء وكما يعبر عنه أديب العروبة والإسلام الرائد مصطفى صادق الرافعي في كتابه الرائع"وحي القلم"تحت عنوان"قصة الأيدي المتوضئة"، قال الراوي:"وصعد الخطيب المنبر وفي يده سيفه الخشبي يتوكأ عليه وكان السيف سنة قديمة ثم استبدل مع الزمان بسيف خشبي ثم انتهى تماماً الآن فما استقر في الذروة حتى تخيل إليّ أن الرجل قد دخل في سر هذه الخشبة، فهو يبدو كالمريض تقيمه عصاه وكالهرم يمسكه ما يتوكأ عليه، ونظرت فإذا هو كذب على الإسلام والمسلمين صريح، كهيئة سيفه الخشبي في كذبها على السيوف ومعدنها وأعمالها".
وسائل للرقي بالكلمة:
ولما كان للخطابة من الأهمية ما لها منذ فجر الدعوة، ولما كان دور الكلمة له الريادة كان من الواجب لفت النظر إلى بعض الأمور التي ترتقي بدور الخطبة أو الكلمة أو اللقاء أو الندوة لتصويب الاتجاه ودعم الهدف المعول عليه من ورائها، وسنوجز هذه الأمور في عدة نقاط:
1 وضوح الدعوة: أى أن يعيش الخطيب فكرة الدعوة التي إليها يدعو الناس بروحه وعقله وجسده وأن تشغل وعيه وتملك جماع قلبه وتأخذ بلبه فتصبح نصرتها والعيش في محرابها هدفاً سامياً .. وتصبح الدعوة إليه مطلباً عزيزاً، إن إعداد نفوس المتلقين وشحنهم بعزيمة وهمة يحتاج إلى عزيمة أكبر وطاقة خلاقة نفتقدها كثيراً ..
ولعل في قصة الصحابي النبيل مصعب بن عمير أول سفراء الإسلام حين أرسله النبي ص إلى أهل المدينة، وهو لا يحمل إلا عقيدته الراسخة وإيمانه المتأجج وأسلوبه الخلاق المبدع أوضح مثال.