ولم يكن الباعث على هذا (التصرف الفعلي) من الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو كثرة العدد ووفرة العتاد، فقد كانت الحال حال ... هو منهج الدعوة من يومها الأول"أنظر كيف بدأت،"يا أيها المدثر قم فأنذر""إن لك في النهار سبحا طويلا"."
فلم تكن فقط عملية وجادة مع المخالف وإنما أيضا في تربية الجماعة المؤمنة، كانت الدروس كلها عملية.
يذبح سبعين من الصحابة يوم أحد منهم الحمزة بن عبد المطلب ليتعلم القوم درسا من جملة واحدة"قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"
ويستمر حادث الإفك شهرا ليتعلم القوم درسا عمليا"لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا"..."إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم"
ويحاصر المخلفين عن غزوة تبوك خمسين يوما حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، ليتلقوا درسا عمليا ــ هم ومن يشاهدونهم ومن يسمع بهم ــ كي لا يتخلفوا ثانية عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه.
هذا حاله - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع عدوه ومع أتباعه ... هذا هو المنهج الرباني الذي تحرك به النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وإن من أوضح الأمور لمن يتدبر نشأت الجماعة المؤمنة على يد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكيف نمت وتطورت وكيف عالجت مشاكلها الداخلية ــ بين أفرادها ــ والخارجية مع أعدائها، أن نهج الشرع كان عمليا، ولم يكن يوما ما نظريا.
لم يتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأجندة عمل لمن يخالفونه يشرح فيها وجهات نظره، ورؤيته للمستقبل، وإنما كان هادئا كثير الصمت يعمل ولا يتكلم.
ومن الواضح جدا ــ أيضا ــ أن الأفراد ميزتهم المواقف ولم يتميزوا بالمعرفة الذهنية، ولا بأصوات العامة لهم.
واليوم: العقيدة دروس علمية .. نظرية، لا تكاد تعرف (الأخ) إلا من كلامه، قليل من تتعرف عليهم من وجوههم وفعالهم.