نعود بذكرياتنا إلى الصور الرائعة لماضينا المجيد حيث يتجلى الإيمان الحق وتبرز حقيقة الهم لهذا الدين، وتظهر الغيرة الحقيقية على دين الله.
إن الإيمان إذا خالفت بشاشته القلوب استحكم الولاء له وكان العطاء للدين سخياً غاية السخاء لأنه معاملة مع كريم وتلقٍ لمننن من إله عظيم.
وإذا كانت الحياة تقدم فداء للدين وثمناً للدينه فهي كذلك تسخر لخدمة الدين وللعطاء له، إذ كل ما فيها لله، وإذا هي حياة أوقفت كلها لله.
هذا نوح عليه السلام يخاطب ربه (( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً ) ) (نوح:5) .
ثم قال: (( ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ) ) (نوح:6 - 7) .
إنه الجهد الدائم الذي لا ينقطع ولا يمل ولا يفتر ولا ييأس أمام الإعراض ألف سنة إلا خمسين عاماً.
ماذا بقى من حياة نبي الله نوح لم يُسخّر لدعوته ولم يبذل لرسالته الليل والنهار الجهر والإسرار كلها لله حياة أوقفت كلها لله.
ثم سرح طرفك في مسيرة أنبياء الله ورسله لتقف أمام نبي الله يوسف السجين الغريب، الطريد الشريد الذي يعاني ألم الغربة وقهر السجن وشجى الفراق وعذاب الظلم، في هذا كله وبين هذا كله في زنزانة السجن يسأله صاحبا السجن عن تعبير الرؤيا فلا يدع نبي الله يوسف الفرصة تفلت، ولا تنسيه مرارة المعاناة القاسية واجب العمل لله والعطاء لدينه فإذا به يحول السجن إلى مدرسة للدعوة، ويرى أن كونه سجيناً لا يعفيه أبداً من تصحيح الأوضاع الفاسدة والعقائد المنحرفة فإذا به ينادى في السجن (( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ) (يوسف:39) .