[السُّؤَالُ] ـ [رجل حملني مبلغا من المال كأمانة، وقد أوصاني أن أعطي هذا المال لولده العاجز حينما أراه يقدم على زواج أو أي أمر نافع، وبعد وفاة هذا الرجل أخذ أهله يطالبونني ويلحون في طلب هذا المال ويريدون أن يأخذوه بأي وسيلة، وقد رأيت في خالة هذا الولد صلاحًا، فدفعت إليها المبلغ وأخبرتها بما أوصاني به أبو الولد، وقد تعهدت هي بحفظ هذا المال بل واستثماره أيضًا، ثم لم أتابع الأمر بعد هذا، فهل أنا أديت الأمانه أم قصرت في حفظها، وإن كنت قد قصرت فماذا أفعل؟] ـ
[الفَتْوَى] خلاصة الفتوى:
إذا وهب الوالد لولده الصغير هبة فقبضُ الوالد قبض عن الولد، فإذا مات الوالد قبل بلوغ ولده رشيدًا فالهبة صحيحة نافذة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإذا كان الوالد قد توفي والولد الموهوب له صغيرًا فإن الهبة صحيحة نافذة ولو لم يقبضها الولد حتى مات الواهب، ولا حق للورثة أن يطالبوا برد هذه الهبة إلى التركة، جاء في الفروق كتاب الهبة 462: إذا وهب الأب لابنه الصغير شيئًا وأعلمه جاز، وإن لم يقبضه غيره للصغير منه، ولو وهب لابنه البالغ لم يجز، وإن كان في عياله ما لم يسلمه إليه، والفرق أن للأب ولاية على ابنه الصغير، فوقع قبضه له، ألا ترى أن أجنبيا لو وهب للصغير شيئًا فالأب هو الذي يتولى القبض، فإذا جاز قبضها من أجنبي جاز قبضها من نفسه، وليس كذلك البالغ.
وجاء في الأم: وإذا وهب الرجل لابنه جارية وابنه في عياله فإن كان الابن بالغًا لم تكن الهبة تامة حتى يقبضها الابن وسواء كان في عياله، أو لم يكن كذلك روي عن أبي بكر وعائشة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم في البالغين وعن عثمان أنه رأى أن الأب يحوز لولده ما كانوا صغارًا فهذا يدل على أنه لا يحوز لهم إلا في حال الصغر.
فهذا في حيازة الوالد لولده الصغير، فإذا بالغ الوالد لولده في الاحتياط كما في الصورة المسؤول عنها فسلم الهبة إلى أمين ليدفعها إلى ولده كان هذا أبلغ في الصحة والنفاذ، وأما إذا كان الوالد توفي والولد بالغًا رشيدًا ولم يتحقق منه قبض حتى مات والده فالهبة باطلة وترد إلى التركة، جاء في الفواكه: (وأما) ما وهبه لابنه (الكبير فلا تجوز حيازته له) وإنما يحوز لنفسه حيث كان رشيدًا، وأما السفيه فقد قدمنا أنه كالصغير يحوز له أبوه، ويفهم من كلامه أنه لو وهب لابنه في حال صغره شيئًا واستمر حائزًا له حتى بلغ رشيدًا ولم يحزه قبل موت أبيه أنها تبطل، وأما لو بلغ سفيها فإنه يستمر حائزًا له، واختلف لو بلغ الصغير وجهل بعد بلوغه واستمر أبوه حائزًا حتى مات، فهل يحمل على السفه فلا تبطل أو على الرشد فتبطل؟ لعدم حيازته لنفسه بعد بلوغه قولان. انتهى.
وجاء في المنتقى: قلت: فإن وهب الأب لولده -وهم صغار- ثم أشهد لهم، أهو الحائز في قول مالك؟ قال: نعم، قلت: فإن بلغوا فلم يقبضوا حين بلغوا هبتهم أو صدقتهم حتى مات الأب، أيكون أولى بها في قول مالك وتكفيهم حيازة الأب لهم إذا كانوا صغارًا أم لا؟ قال: قال لي مالك: إذا بلغوا وأنس منهم الرشد فلم يقبضوا حتى مات الأب فلا شيء لهم. قال: وما داموا في حال السفه وإن بلغوا فحوز أبيهم لهم حوز، وكذلك قال لي مالك: لأن السفيه وإن احتلم بمنزلة الصغير، يحوز له أبوه أو وصيه. انتهى.
وعليه، ففي الصورة الأولى يلزم السائل حفظ المبلغ وتسليمه للولد إن كان راشدًا، وإن لم يكن راشدًا حفظه له حتى يرشد، ولا يحق له تسليمه لخالة الولد لأن الوالد استودعه هذه الأمانة ولم يستودع غيره، وإذا تلفت أو ضاعت هذه الأمانة عند هذه المرأة فهو ضامن، كما لا يصح منه أو من غيره استثمار المبلغ المؤتمن عليه، فالأب أودع عنده المال ليدفعه إلى ولده ولم يأذن له باستثماره، وليس السائل ولا من وضع عندها المال بولي على الولد ولا بوصي عليه حتى يصح لهما تنمية مال القاصر واستثماره إن فرض أن هذا الولد ما يزال قاصرًا، والتصرف في مال الغير لا يجوز إلا بولاية أو وكالة، وهذا المعنى غير موجود في السائل ولا في خالة الولد، وخلاصة القول أن السائل بدفعه المال الذي اؤتمن عليه إلى المرأة المذكورة قد فرط في الأمانة من حيث لا يشعر، وعليه أن يستدرك ذلك بأخذ المال وحفظه، وتنفيذ ما أمر به من قبل الوالد المتوفى.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 15 ربيع الأول 1429