[السُّؤَالُ] ـ [قام والدي رحمه الله بتأجير قطعة أرضية زراعية إلى شخص ما، بعد وفاته بسنين طالبناه نحن الورٹة بإخلاء الأرض، قال لنا عليكم أن تعوضوني على الأشجار، مع العلم بأن الأشجار غرستها لنا الدولة في إطار تدعيم الفلاحة ولم يدفع عليها شيء، لكنه حافظ عليها وسقاها حتى أعطت ثمارها، فكان يستفيد من كل الثمار مقابل كراء الأرض بما فيها الأشجار، فهل يحق له المطالبة بالتعويض عن تعبه وعما أنفق عليها من أسمدة ... إذا كان كذلك كيف يكون التعويض، فهل يجوز له مزاولة النشاط إذا قلنا له إننا لا نريد تأجير الأرض مع العلم بأنه لا يربطنا معه أي عقد، فهل يحق له غرس الأشجار دون طلب الإذن؟ جزاكم الله عنا خير الجزاء.] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإذا كان والدك رحمه الله قد أجر هذه الأرض للشخص المذكور فيشترط في عقد الإجارة أن يكون لمدة معلومة، وعقد الإجارة من العقود اللازمة التي لا يجوز فسخها على مذهب الجمهور، فيلزم إتمام الإجارة إلى المدة المحددة، وموت والدكم - نسأل الله أن يرحمه - لا يبطل عقد الإجارة، لأن موت المؤجر لا يبطل الإجارة، قال ابن قدامة في المغني: وإذا مات المكري والمكتري أو أحدهما فالإجارة بحالها هذا قول مالك والشافعي.. وقال الثوري وأصحاب الرأي، والليث تنفسخ الإجارة بموت أحدهما.. ولنا أنه عقد لازم، فلا ينفسخ بموت العاقد، مع سلامة المعقود عليه. انتهى.
فإذا انتهت مدة الإجارة فمن حقكم أخذ الأرض والتصرف فيها بما تشاؤون، أما ما يتعلق بالأشجار فإذا كانت الدولة قد زرعتها لكم فإن الحكم فيها ينبني على التعاقد الذي تم بين والدكم والمستأجر، ولم تذكر لنا أيها السائل العقد الذي تم الاتفاق عليه ويحتمل ذلك ثلاث صور:
1-أن يكونا قد اتفقا على إجارة الشجر، فهذا عقد غير جائز لأن إجارة الشجر للثمر غير جائزة في مذهب جمهور العلماء، وهذا هو الراجح، وفي هذه الحالة يكون للعامل أجر مثله ويلزم صاحب الأرض النفقة التي أنفقها العامل على الأشجار، وما ظهر من ثمر يكون لصاحب الأرض.
2-أن يكونا لم يتفقا على شيء وكان الرجل يعمل في الأشجار ويأخذ ثمرتها، ففي هذه الحالة فإن كان ذلك تبرعًا منه بالعمل وتبرعًا من والدك بالثمر، فيجوز لكم استرداد الأرض والشجر ولا حق للعامل في شيء، وإن كان ذلك ليس على سبيل التبرع فالحكم فيه كالحكم في الصورة الأولى للعامل أجر مثله ويلزم صاحب الأرض النفقة التي أنفقها العامل على الأشجار، وما ظهر من ثمر يكون لصاحب الأرض.
3-أن يكون قد اتفقا على المساقاة، وهي أن يدفع صاحب الأرض أرضه للعامل ليغرس فيها شجرًا على أن تكون الثمرة بينهما إذا أثمر، وهذه إحدى صور المساقاة الصحيحة في الراجح، وفي هذه الحالة يكون الثمر بينهما حسب ما اتفقا عليه، والمساقاة من العقود التي اختلف في لزومها، فعلى القول بأنها من العقود اللازمة يلزمكم إتمام المساقاة إلى نهاية المدة المتفق عليها، وعلى القول بجوازها وهو القول الراجح يجوز لكم فسخها، وفي حالة الفسخ قبل ظهور الثمر يكون للعامل أجر مثله.. قال ابن قدامة في المغني: ظاهر كلام أحمد أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة، وقال بعض أصحابنا: هو عقد لازم. وهو قول أكثر الفقهاء ... ، ولنا ما روى مسلم بإسناده عن ابن عمر: أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بخيبر على أن يعملوها، ويكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقركم على ذلك ما شئنا. ولو كان لازما لم يجز بغير تقدير مدة، ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم ... ، وعمر رضي الله عنه أجلاهم من الأرض وأخرجهم من خيبر، ولو كانت لهم مدة مقدرة، لم يجز إخراجهم منها.. ومتى فسخ أحدهما بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه، وعلى العمل تمام العمل، وإن فسخ العامل قبل ذلك فلا شيء له، لأنه رضي بإسقاط حقه وإن فسخ رب المال قبل ظهور الثمرة فعليه أجر المثل للعامل، لأنه منعه إتمام عمله الذي يستحق به العوض. انتهى.
ومن أهم أحكام المساقاة ما ذكره ابن قدامة في المغني بقوله: ويلزم العامل بإطلاق عقد المساقاة ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها، مثل حرث الأرض تحت الشجر، والبقر التي تحرث، وآلة الحرث، وسقي الشجر ... ، وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل كسد الحيطان، وإنشاء الأنهار وعمل الدولاب وحفر بئره، وشراء ما يلقح به، وعبر بعض أهل العلم عن هذا بعبارة أخرى، فقال: كل ما يتكرر كل عام فهو على العامل، وما لا يتكرر فهو على رب المال، وهذا صحيح في العمل، فأما شراء ما يلقح به، فهو على رب المال وإن تكرر لأن هذا ليس من العمل. انتهى.. وللمزيد من الفائدة يمكنك مراجعة الفتاوى ذات الأرقام التالية: 5130، 46107، 48656، 73972، 75353.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 24 ذو القعدة 1429