[السُّؤَالُ] ـ[لدي صديق استعان بقرض ربوي على إقامة جزء من مشروعه التجاري وعندما أتم المشروع وبعد فترة من الزمن ونظرا لعدم استطاعته تحمل نفقات هذا المشروع طلب مني أن أشاركه في هذا المشروع بإحدى الطرق التالية:
1-أن أدفع له مبلغًا معينًا من المال مقابل أن أصبح شريكا في هذا المشروع.
2-أن أتولى إدارة المشروع مقابل نسبة ثابته من الربح (أي أن أكون شريكًا باستمرار وليس فقط في حالة إدارتي للمشروع) أي أن أكون شريكًا بعملي.
3-أن أدير المشروع مقابل نسبة من الأرباح تتوقف عندما أتوقف عن العمل في المشروع.
أرجو أن تبينوا لي إن كان يجوز لي أن أدخل في شراكه مع هذا الإنسان في هذا المشروع بغض النظر عن مصدر أمواله وأن تبينوا لي أي الطرق يمكن أن أشاركه بها؟
وشكرًا.] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد كره جماهير الفقهاء مشاركة الكافر ومن لا يتحاشى التعامل بالحرام من المسلمين، قال الشيخ زكريا الأنصاري في (شرح البهجة) : ولكن تكره الشركة مع الكافر، ومن لا يحترز من الربا ونحوه. قال الأذرعي: هذا إذا شارك لنفسه، فإن شارك لمحجور عليه ــ كصبي ومجنون ــ فلا بد أن يكون الشريك عدلًا يجوز إيداع مال المحجور عنده. اهـ
وقال البهوتي في (كشاف القناع) : وتكره معاملة من في ماله حلال وحرام يجهل، وكذا إجابة دعوته وأكل هديته وصدقته ونحوها. وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.. . الحديث. وتكره مشاركة مجوسي ووثني ومن في معناه ممن يعبد غير الله تعالى، وظاهره ولو كان المسلم يلي التصرف، قال أحمد في المجوسي: ما أحب مخالطته ومعاملته، لأنه يستحل ما لا يستحل هذا. انتهى
وبناء على هذا فإن الأفضل لك ألا تشارك مثل هذا الرجل لتعامله بالربا، فإن شاركته صحت الشركة مع الكراهة، وتزداد الكراهة وتنقص بقدر ما يتعامل به من المال الحرام كما قدمنا، فإذا أردت أن تشترك مع صديقك مع ما ذكرنا، فإما أن تشاركه بجزء من المال كما ذكرت في الصورة الأولى، على أن تقتسما الربح بينكما على ما تنفقان عليه، أو أن يدفع لك صديقك ماله مضاربة على أن يكون لك نسبة من الربح محددة شائعة كالنصف والربع ونحوهما كما ذكرت في الصورة الثانية، أو أن تعمل أجيرًا عنده مقابل أجر معلوم على مدة معلومة، وهذا ما ذكرته في الصورة الثالثة، لكنك جعلت الاتفاق بينكما على نسبة من الربح، وجعل الأجرة نسبة من الربح يفسد عقد الإجارة عند جماهير الفقهاء، لأن ذلك يجعل الأجرة مجهولة وفيها غرر، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الغرر كما في صحيح مسلم، وقد أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره. وفي رواية للنسائي: إذا استأجرت أجيرًا فأعلمه أجره، وهذا هو مذهب الجمهور كما تقدم، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز كون الأجرة نسبة من الربح.
قال في كشاف القناع: ولو دفع عبده، أو دفع دابته إلى من يعمل بها بجزء من الأجرة جاز، أو دفع ثوبًا إلى من يخيطه، أو دفع غزلًا إلى من ينسجه بجزء من ربحه، قال في المغني: وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قمصانًا ليبيعها وله نصف ربحها بحق عمله جاز. نص عليه في رواية حرب. وإن دفع غزلا إلى رجل ينسجه ثوبًا بثلث ثمنه أو ربعه جاز. نص عليه. أو دفع ثوبًا إلى من يخيطه أو غزلا إلى من ينسجه بجزء منه مشاع معلوم جاز. انتهى.
وقال ابن سيرين: إذا قال: بعه بكذا، فما كان من ربح فهو لك أو بيني وبينك فلا بأس به. وهذا هو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: المساقاة والمزارعة والمضاربة ونحوهن من المشاركات على ما يحصل، من قال: هي إجارة بالمعنى العام فقد صدق، ومن قال: هي إجارة بالمعنى الخاص فقد أخطأ، وإذا كانت إجارة بالمعنى العام التي هي الجعالة فهنالك إن كان العوض شيئًا مضمونًا من دين أو عين فلا بد أن يكون معلومًا، وإن كان العوض مما يحصل من العمل جاز أن يكون جزءًا شائعًا؛ كما لو قال الأمير في الغزو: من دلنا على حصن كذا فله منه كذا. انتهى
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 20 ذو القعدة 1426